أشرف غريب يكتب: إلى روح الأمين عبدالله
أشرف غريب يكتب: إلى روح الأمين عبدالله
- انتصارات أكتوبر
- شارع حسن صبرى بالزمالك
- «الأمين عبدالله»
- " اللورد والتر موين"
- انتصارات أكتوبر
- شارع حسن صبرى بالزمالك
- «الأمين عبدالله»
- " اللورد والتر موين"
ونحن فى رحاب الاحتفال بانتصارات أكتوبر تذكّرت قصة هذا الرجل البسيط الذى ربما لم يلتفت إليه التاريخ رغم إنجازه المهم ودوره الفردى الذى قام به، صحيح أنه ليس من أبطال أكتوبر، ولا من هؤلاء العظام الذين صنعوا ملحمة النصر، لكنه بشجاعته وروحه المصرية أنقذ سمعة وطن فى وقت كان بالغ الحساسية فى تاريخ الصراع العربى - الإسرائيلى، ولذلك حق علينا أن نتذكّره بكل خير فى تلك الأجواء الوطنية التى نعيشها لعل قصته تكون ملهمة للآخرين، لأن مصر بحاجة دائماً إلى تلك الروح المحبّة لوطنها والمستعدة دائماً للتضحية من أجلها.
ففى السادس من نوفمبر عام 1944 اخترقت بضع رصاصات حاجز الصمت الذى كان يخيم على شارع حسن صبرى بالزمالك، لتستقر فى صدر اللورد والتر موين الوزير البريطانى المقيم فى منطقة الشرق الأوسط والمسئول عن ملف فلسطين، فأردته قتيلاً فى واحدة من أشهر جرائم الاغتيال السياسى، التى عرفتها مصر فى أربعينات القرن الماضى وما أكثرها.
كانت هذه الرصاصات المفاجئة كفيلة بأن تحول الحى الهادئ إلى ساحة للمطاردات بين العدد القليل من المارة الذين تصادف وجودهم، وبين شابين فى العشرينات من العمر يستقلان دراجتين وهما فى هيئة عمال إصلاح أعطال التليفونات.
كان الشابان مدربين وماهرين، وقدرتهما على المراوغة والنفاذ من الطرقات الضيقة تعوق إلقاء القبض عليهما، لكن رجلاً مصرياً شجاعاً تكفّل وحده بهذه المهمة، هذا الرجل هو الكونوستابل «الأمين عبدالله» من بوليس العاصمة الذى امتد به العمر حتى بدايات القرن الجديد، استطاع هذا الجندى الذى كان يقوم بدوريته المعتادة أن يطارد الشابين على دراجته البخارية وأن يضيّق الخناق على الأول فوق كوبرى أبوالعلا القديم حتى سلّمه إلى عسكرى المرور الموجود فى المنطقة، وتفرّغ لملاحقة الآخر إلى أن تمكن من توقيفه داخل إحدى الحدائق.
هذا الرجل البسيط غير المجهز بالسلاح إلا من قليله استطاع وحده القبض على هذين الشابين المدرّبين والمجهزين بالسلاح دون أن يحتاج إلى إطلاق رصاصة واحدة، ولم يكن أحد حتى تلك اللحظة التى اقتاد فيها الأمين عبدالله صيده الثمين إلى نقطة الشرطة يعرف حقيقة الشابين ودوافعهما وراء هذه الجريمة التى هزّت مصر وأساءت إلى العلاقات المصرية - البريطانية أكثر مما كانت عليه فى تلك السنوات.
ولكن سرعان ما بدأت الأمور تتكشّف، فهذان الشابان هما إلياهو حكيم وإلياهو بيت زورى عضوا جماعة «لحى» المتطرفة التابعة لمنظمة «أرجون» الصهيونية المنبثقة عن عصابات الهاجانا، التى كانت أحد أهم أسباب قيام دولة إسرائيل فى فلسطين المحتلة عام 1948، كان الهدف من وراء اغتيال اللورد موين فى القاهرة، إلى جانب إحراج الحكومة المصرية، هو التخلص من أحد أهم معارضى إنشاء الدولة الصهيونية فى فلسطين، وكان لهم ما أرادوا، غير أن أجهزة المباحث فى مصر (لم يكن هناك بعد جهاز للمخابرات).
لم تكتفِ بإلقاء القبض على الشابين اليهوديين، وإنما أرادت الإيقاع ببقية أعضاء الشبكة فى مصر، وهى المهمة التى تولاها بنجاح واحد من أكفأ ضباط المباحث فى مصر، بالنفاذ إلى داخل الشبكة عن طريق خداع إحدى فتياتها، والفضل فى ذلك كله يعود إلى أول الخيط الذى أمسك به الأمين عبدالله، هذا المصرى البسيط الذى وضع روحه على كفه من أجل القيام بمهام عمله، وهى الروح ذاتها التى تحلّى بها المصريون جميعاً، وصنعت نصر أكتوبر كل فى مجال عمله، وهى بالتأكيد تلك الروح التى كان يعنيها الرئيس الراحل أنور السادات، حين قال فى خطابه الشهير فى السادس عشر من أكتوبر 1973:
«نعم سوف يجىء يوم نجلس فيه لنقص ونروى ماذا فعل كل منا فى موقعه، وكيف حمل كل منا أمانته وأدى دوره، كيف خرج الأبطال من هذا الشعب وهذه الأمة فى فترة حالكة السواد، ساد فيها الظلام، ليحملوا مشاعل النور وليضيئوا الطريق، حتى نستطيع أن نعبر الجسر ما بين اليأس والرجاء».