ناصر عبدالرحمن يكتب: الكلام
القرآن الكريم رسالة حب من الله إلى رسول الله وحبيبه: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ».. «قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ».. «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ».. «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ».. «قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ».. «قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ».. إنها آيات تخبرنا بأن ما بين الله وبين رسوله وحبيبه أنس وأسرار لم يبلغها رسول ولا نبى ولا بشر «أتانى الليلة ربى تبارك وتعالى فى أحسن صورة».. «وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى».. «إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ».. «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِىِّ».. «وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ».. «يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ». وكلم الله تعالى سيدنا موسى «وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا».. إنها خصوصية الكلام وفضله «عطائى كلام وعذابى كلام»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت».. «كفى بالمرء إثماً أن يحدّث بكل ما يسمع».. كما قال سيدنا الإمام على، كرم الله وجهه «ضرب اللسان أشد من ضرب السنان».. «صمت الجاهل ستره».. «أحسن الكلام ما زانه حسن النظام وفهمه الخاص والعام».. وقال الإمام مالك، رضى الله عنه: «لا خير فى كثرة الكلام»، وقال الفارابى فى علم الكلام: «صناعة الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء»، وقال الحكماء عن الكلام: «الكلام كالدواء إن أقللت منه نفع، وإن أكثرت منه قتل».. «خصلتان تقسيان القلب كثرة الكلام وكثرة الطعام».. وقال العالم محمود أمين العالم: «اللغة أداة من أدوات الصورة».. «الصورة لا يمكن فصلها عن المضمون»، وقال الشاعر: «رق الزجاج ورقت الخمر.. وتشابها فتشاكل الأمر، فكأنما خمر ولا كأس.. وكأنما كأس ولا خمر». والمصرى القديم كان ينقش الكلام على الجدران «النقش المقدس»، والعربى يعلّق الأشعار على أستار الكعبة. إن الكلام هو الشرف والصدق، وهو السر والدليل، كثرته لغو فارغ ونطقه عن صدق ومنطق شهادة وبرهان، لذلك تُقاس الحضارات بعلم اللغة فيها، ومدى تقديرها والاهتمام بها، كذلك الفنون الحوارية، مثل الشعر، والمسرح، والسينما، كلها تُقاس جودتها بمصداقية الكلام وتأثيره على السامع، وبما يحمله الكلام الفنى من مشاعر وألوان فنية بلاغية، وللكلام إيقاع وسرعة ونحت وتغيير، إذا لم يجد السامع فى كلام صانع فن الكلام ما يطربه وما يدهشه وما يؤثر فيه وما يشغل مشاعره وما يحمسه وما يجعله يتوحّد ويتسلطن وينشرح أو أن ينزعج حتى، تصبح صنعة الكلام لا خير فيها، وتتبدل من النفع إلى الضرر، وليس كل الكلام صوتياً، إن كلام العيون أصدق وأسرع وأصدق، كما أن للصمت كلاماً يوجع أحياناً ويسعد أحياناً أخرى، فلا تستهون بالكلام ولا تستصغره، فكم من بيت شعر أوصل بين القلوب، وكم من كلام فرّق بين القلوب، وكم من محامٍ برّأ بالكلام مذنباً، وكم بالكلام أدان بريئاً، وكم بالكلام الطيب شُفى مريض، وكم بالكلام طُعن فقير، وكم تحمّس بالكلام إنسان، وكم أضعف الكلام إنساناً.
الحب صمته كلام ونظرته أنس وحضور، الكلام بين المحبين ألغاز وطلاسم لا يطيقها إلا المحب، إن الطريق كلام بينك وبين صاحبك، فاجعل ربك فى قلبك صاحبك. الذكر باللسان طريق لذكر القلوب، النور كلام طيب، أما الظلمة فكلام اليأس، والانتقام والغل والبغض والحسد، ففى الكلام نور، وصراطك مستقيم، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، يكتب له بها درجات»، قال الله تعالى: «كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ»، الحب كلمة طيبة، صمت الكلام طيب وكلامه طيب، الفن بلا حب لا يعول عليه، والكلام بلا حب محكوم عليه، حب الكلام وعطره قبل أن يسمعه الناس، فالكلام بحب مثل الندا على اللسان، بينى وبينك كلمة فاجعلها لله.