ماذا تحمل سوريا الجديدة للشرق الأوسط؟
في 27 نوفمبر شنّت فصائل مسلحة بقيادة هيئة تحرير الشام هجوما مفاجئا على محافظة حلب شمال غرب سوريا.
وتقدّم المسلحون بسرعة نحو دمشق في مواجهة رفض الجيش السوري المقاومة، وأظهرت التقارير أنّ هيئة تحرير الشام والفصائل المتحالفة معها، تتلقى دعما ماليا وعسكريا من تركيا والولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي غضون أيام ظهرت سوريا الجديدة، التي تطرح تأملات إقليمية ودولية ترتبط بقضايا قد تترك آثارها لعقود قادمة في المنطقة.
فسوريا الجديدة، التي تُسيطر عليها هيئة تحرير الشام المعروفة بارتباطها بتنظيم القاعدة، ثم داعش، والآن يتم الترويج لها بصورة عصرية من قِبل الإعلام الغربي، تطرح تساؤلات حول المستقبل الذي ينتظر سوريا، وتداعياته على الشرق الأوسط، في ضوء التفاعلات الإقليمية والدولية الجارية في الداخل السوري الآن.
لا ننسى كلمة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أعقاب حملته العسكرية على كل من حماس وحزب الله، وإعلانه أنّ هناك «شرق أوسط جديد» يتشكل، فهل هناك مشروع إسرائيلي وأمريكي يجعل من سوريا مرشّحة الآن لإعادة إحياء مشروع الإسلاميين.
وهو المشروع الذي رعته قوى إقليمية وغربية، الذي فشل منذ أكثر من عشر سنوات عبر محاولات الغرب إعادة رسم صورة جديدة للقائد الذي بايع تنظيم القاعدة ثم داعش، أم أنّ سوريا مؤهلة لتكون نقطة انطلاق الاقتتال السني الشيعي مرة أخرى في المنطقة، عبر سيطرة تنظيم جهادي تحدّث عن معاداته لإيران الشيعية وحزب الله؟، حيث تعتبر تلك الجماعات الشيعة مرتدين ومهدّدين للمجتمع الإسلامي، في حين لم يوجه مجرد تصريح حول الضربات الإسرائيلية المتتالية على سوريا أو احتلال إسرائيل لأراضٍ سورية ووقوفها على بُعد 15 كيلومترا من العاصمة دمشق.
ومن ثم كيف سيكون الوضع الداخلي في سوريا التي بها أقلية شيعية علوية ومسيحيون؟، هل ستنطلق من سوريا موجة من العنف الطائفي بين الشيعة والسنة السوريين من جهة والجهاديين السنة وإيران وحزب الله من جهة أخرى؟ وكيف ستكون العلاقة مع الأكراد من جهة أخرى؟، أي العرق الذي لديه توترات مع تركيا، الدولة الداعمة لهيئة التحرير الشام، هل ستشهد سوريا صراعا عربيا كرديا على خلفية تلك الارتباطات؟
السؤال الأهم، الذي يوضح حقيقة ما يجري داخل سوريا بفعل استخبارات إقليمية وإسرائيلية وغربية هو كيف سُمح بالسكوت على استغلال إسرائيل سقوط الحكومة السورية وقصفها البلاد عشرات المرات؟، حيث أعلنت إسرائيل أنّها ضربت مواقع استراتيجية، بما في ذلك أنظمة صواريخ متقدّمة ومستودعات أسلحة ومقرات عسكرية ومواقع للجيش السوري ورادارات ومخابئ أسلحة وكذلك أصول لمركز الدراسات والبحوث العلمية السوري، الذى كان مسؤولا عن تطوير أسلحة متقدّمة.
كما نشرت إسرائيل رسميا قواتها ودباباتها في المنطقة العازلة على الحدود مع سوريا، بعد أن أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو من جانب واحد انهيار اتفاقية فصل القوات لعام 1974 مع سوريا، ووفقا للاتفاقية لا يمكن نشر سوى قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في المنطقة العازلة.
أبرزت الضربات الجوية الإسرائيلية والتوغّل البري في الأراضي السورية أحلام النظام في إقامة إسرائيل الكبرى، وقد سبق ودعا وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش إلى إنشاء دولة يهودية تشمل العاصمة السورية دمشق، أي تستغل إسرائيل سقوط الدولة السورية لتحقيق أحلامها، إلى جانب القضاء على القدرات العسكرية للدول السورية التي هي دولة مواجهة معها، ومن ثم كيف يمكن التفاؤل بشأن دولة سورية قوية تم القضاء على أهم مقدرات القوة الشاملة لديها، وهي القوة العسكرية؟
وهنا يطرح التساؤل هل سوريا هي نقطة انطلاق المشروعات غير العربية، مثل المشروع الإسرائيلي، والذي من خلاله سيتم تقسيم الدول العربية إلى: أولا، كانتونات ودويلات أساسها الطائفية والعرقية، وثانياً، نقطة اقتتال عربي كردي وسني شيعي، وثالثا، القضاء على القدرات العسكرية لدول المواجهة مع إسرائيل؟
كذلك يُثار التساؤل عن مستقبل سوريا الجديدة، ومستقبل العلاقة مع طهران، التي استثمرت أكثر من 30 مليار دولار في المشروعات الاقتصادية داخل سوريا، بنية الهيمنة وترسيخ وجودها العسكري والاقتصادي والطائفي، ففي حين يبدو أنّ النظام الجديد في سوريا لن يكون ضمن محور المقاومة الذي لم يعد محورا، إلا أنّ الإيرانيين يبحثون عن الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية في سوريا.
ومن ثم هل سيقبل الطرف الآخر احتفاظ إيران بتلك المصالح، سواء أكان الأمر يتعلق بتركيا أو واشنطن أو إسرائيل؟، فضلا عن علاقة التنافس الإقليمي بين إيران وتركيا، فهل ستسمح إيران بالتخلي عن مساحة نفوذها داخل سوريا لصالح منافستها تركيا؟، هل ستسمح إيران بأفول مشروعها للهيمنة مقابل تمدّد النفوذ التركي؟ كيف ستخلق إيران التوترات والفوضى لمناوءة مصالح منافسيها؟ هل ستعمل على دعم شباب سورى سنى تحت اسم مقاومة إسرائيل؟ أم أنها ستدعم أكراد سوريا في مواجهة تركيا؟
لقد عملت طهران على خلق ما يُسمى بالفوضى المدارة في العراق بعد 2003 لزعزعة الوجود الأمريكي في العراق، هل ستقبل إيران بوجود إسرائيل جارة لها على بُعد 15 كيلومترا من دمشق، ما يمكّن إسرائيل من توجيه الضربات لإيران؟ قد ترجع إيران للخلف عدة خطوات الآن، لكنها لن تتخلى عن مشروعها الإقليمي ومصالحها في مواجهة مرحلة النصر لمنافسيها وخصومها الإقليميين.
ما هو مستقبل عناصر «داعش» الموجودة داخل سوريا؟ وهل سيطرة الجهاديين على سوريا الجديدة تعني التواصل مع التنظيمات الأخرى في الشرق الأوسط وإعطاء دفعة لموجات جديدة من الإرهاب؟ ليس من المستبعد أن تكون مخرجات وصول هيئة تحرير الشام هي الانقسامات الداخلية والحروب الطائفية وانتشار الصراعات إلى دول أخرى في المنطقة وخارجها.
إن تاريخ المنطقة بعد انهيار الدولة الوطنية وحل مؤسساتها والعمل على إضعافها وحل جيوشها لم يكن سوى ضعف الدولة وتقويض قدراتها ووقوعها تحت سيطرة ونفوذ وهيمنة القوى الأخرى بالمنطقة، ولا يوجد أدل من الوضع في ليبيا بعد سقوط معمر القذافي، والوضع في العراق بعد سقوط صدام حسين، الآن وفي غضون أيام صار جزءا كبيرا من الأراضي السورية جزءا من الأراضي التركية.