خرَّاب البيوت والبلاد
لم يعد خافيا على أحد الخطر الكامن وراء السوشيال ميديا والتدمير الذي يُحدثه هذا الغول بالتهامه كل القيم والأخلاق واللغة والمعاني الجميلة، بل أصبح قادرا على التهام دول بأكملها!
زمان كان فيه ناس يطلق عليهم «خرابين بيوت» والآن سلب هذا الغول هذه الصفة من هؤلاء البشر واستأثر بها لنفسه وزاد عليها صفة جديدة ليصبح «خراب البلاد».
وحتى لا يتهمني أحد بالمبالغة فهذا غيض من فيض قصص لاغتيال هذا الغول للقيم والبلاد، منها:
- الطبيبة التي خرجت تحذر من الزيادة الكبيرة في تردد الأزواج على تحليل الـ«دي إن إيه» الذي يكشف بنوة الأبناء لآبائهن، وأنّ النتائج جاءت مفزعة وحذرت من عواقب الزنا في الدنيا والآخرة.. لتصور للمتابعين أن المجتمع أصبح سداح مداح!
- دكتورة النساء التي خرجت بفيديو على صفحتها تقول إنها قامت بالعديد من عمليات التوليد لنساء ومنهن قاصرات والأب غير معلوم، ودعت كل الآباء إلى الإسراع في عمل تحليل الـ«دى إن إيه» ليتأكدوا أن زوجاتهم شريفات.. وتبين كذبها المفرط، بعد أن كشفت تحقيقات النيابة الإدارية أن عدد الحالات التي قالت عليها من واقع سجلات المستشفى الذي تعمل به لم يتجاوز حالتين خلال 10 أعوام!
- السائق الذي روى أنّه وجد جوالا في الطريق العام فالتقطه وذهب به إلى بيته ليكتشف أنّ به 8 ملايين جنيه، وأنّه بادر بالإعلان عن هذا المبلغ الذي وجده على صفحته في الفيس بوك ويدعو صاحبه إلى الحضور لمنزله بالإسماعيلية لتسلمه بعد أن يقدم «أمارة» النقود ووصفها وقيمتها، ثم نشر بعد ذلك أن صاحب النقود حضر وتسلم المبلغ، وأنّه وزوجته رفضا تلقي مليون جنيه من صاحب المبلغ كمكافأة على أمانته! ثم اكتشفت أجهزة الأمن كذب الواقعة وأنّها مختلقة، وأنّ صاحبها «فبرك» الحكاية كي يستدر عطف المتابعين ويحصل منهم على أموال كمكافأة على أمانته.
- بنت تشتم أباها وتنهره وتتهمه بسرقة أموالها لتحصل على «تريند» وتجني أموالا طائلة وتصبح في أيام معدودات فتاة غنية ومشهورة وتجوب البلاد وتغيظ العباد، وتقول لقريناتها افعلن مثلي لتكن من الأثرياء بلا أدنى مجهود.
هذه الصور المشوهة التي يريد من يديرون صفحات السوشيال ميديا أن تتصدر المشهد وتسود وتجعل الأزواج يشكون في زوجاتهم والسيدات يصبحن موصومات بتهمة لم ترتكبها واحدة منهن، فإما أن يقع الطلاق بعد زيادة جرعات الشك أو يُعرض الشباب عن الزواج من الأصل.
أما السائق الأمين الكاذب فأراد أن ينصب من باب الأمانة ليكسر في المجتمع قيمة الأمانة والأمناء، ويسرب الشك في النفوس، وتسري مقولة «يا عم مبقاش فيه أمانة ولا حد أمين»، فتنهار القيم التي تتأسس عليها المجتمعات ويظل الشك هو مبتدأ أي علاقة أو أي حوار وتنهار قيمة «الثقة» بين البشر في المجتمع.
أما سيناريو تخريب البلاد فيكون من خلال نشر قصص وحكايات مصورة (فبركة) أو مكتوبة (بطريقة مغلوطة)، من خلال التهوين من أي إنجاز والتشكيك في جدواه، وإن فشلوا في ذلك فيكون السيناريو الآخر فهو طرح سؤال: لماذا لم يتم تنفيذ مشروع بديل يحتاجه المواطنون، وكأن الإنجاز الذي حدث لا يخدم المواطنين، وتذكروا عندما كان يتم الإعلان عن صفقات تسليح الجيش المصري العظيم، فكانوا يقولون إن الشعب لا يحتاج سلاحا وإننا لسنا في حالة حرب.
وإن الأولى خفض أسعار السلع، وبعد أن رأى الشعب دولا تنهار بسبب ضعف جيوشها تيقن من أهمية التسليح وتطوير أسلحة جيشنا العظيم طوال الوقت في السلم والحرب.. وقد يستخدمون سلاح ترديد الشائعات أثناء تنفيذ مشروع أو صدور قرار لمنفعة عامة.
وحدث ذلك مؤخرا أثناء إزالة مقابر مقامة حديثا في محافظة القليوبية على أرض ملك الدولة، حيث قامت الشركة التي نصبت على المواطنين وباعت لهم المقابر بنشر فيديوهات (مفبركة) توحي للمشاهد بأن الحكومة قد رمت الجثث المكفنة في الشارع لإثارة الرأي العام على الحكومة، وتبين بعد ذلك أن المقابر لم يتم استخدامها وأن ما أظهروه على أنه جثث هو عبارة عن أخشاب ملفوفة بقماش أبيض!
كل ذلك بهدف تفتيت الجبهة الداخلية للأوطان، وتفكيك روابط المجتمع، ونزع الثقة بين النظام والرأي العام، بهدف هدم الدولة من الداخل.
وطبعا لن تستطيع أجهزة الدولة (أي دولة) أن تتفرغ للتصدي لمثل هذه الشائعات، وهنا يأتي دور الإعلام الوطني الذي يكون دوره هو توضيح الحقيقة على الدوام، وإعلان الأخبار والمعلومات الصحيحة، والتوعية المستمرة بأخطار السوشيال ميديا، وأن تقوم المدارس بتوعية النشء بخطورة هذا الغول الذي أتى مع القرن الجديد.
ظني أنّ زيادة الوعي والتوعية وتقوية الإعلام الرسمي هي الوسيلة المثلى لمواجهة هذا الغول.