ناصر عبدالرحمن يكتب: الشخصية المصرية (7).. «مُسالم»
يغلب على الشخصية المصرية المسالمة، فتجد المصري هادئاً روتينياً، اعتاد على الانتظار، يخترع الحجج ويُحب التسويف، الموظف المصري غير أى موظف في العالم، لأنه مسالم روتيني، فهو الموظف النموذج.. المسالم، يتحلى بالصبر، طموحه مرتبط بالدرجة. للنهر تأثير على الشخصية المصرية، ليس صدفة أن يكون النهر شرياناً في قلب مصر. ليس مصادفة أن يكون السلام الاجتماعي أساسه النهر، ليس صدفة أن يكون المصري يشبه النيل المسالم.
الصيف في مصر كالشتاء مسالم، حتى البيوت مسالمة، الأم تُربي على المسالمة، تربي ابنتها على المسالمة مع شقيقها، تربيها لتكون مسالمة مع زوجها، وإذا غضبت الزوجة أو تمرّدت ينقلب عليها الجميع ليعيدها إلى المسالمة.
الطفل في المدرسة تتم تربيته على عدم المهاجمة، بل على عدم الرد. كم من المشاحنات تفضها وتفصلها المسالمة. الطريق مهما كان بعيداً مرهون بالمسالمة. من يرى في المسالمة بطئاً فهو على حق، إن تغيير تفاصيل وروتين المصري بطىء بدرجة مرضية، إن للمسالمة مميزات مدهشة، أولاها أنها تجعل المجتمع المصري متماسكاً إلى حد كبير، كذلك تمزج مكونات الشعب المصري من الجنوب والشمال بمن يعيش في القرية مع من يعيش في الريف، يمتزج بالمسالمة الموظف مع الفلاح مع الصنايعى مع المهنى مع التاجر.. المسالمة تصنع تفهماً ومصالحة بين طبقات الشعب، وبين المثقف والجاهل، بين الغني والفقير، هذه المسالمة تصنع سكوناً بين الشباب -أكثر أعداد الشعب المصري- مع كبار السن، وهذه المسالمة تطفئ الاشتعال بين المتخاصمين.. بين الأكثرية المرنة والأقلية المتطرفة.. بين الأحياء الشعبية وسكان الكومباوند.
المسالمة تجعل من التغيير مستحيلاً، كما أنها تجعل من الانهيار مستحيلاً أيضاً، منذ مصر القديمة والشعب المسالم يهوى السكينة والسمر، يهوى الارتباط والامتزاج ويهوى الأمل، لكنه دائم الابتعاد عن الملوك وأصحاب السلطة، يمد المسافات ويطيل البُعد عن الملوك وأصحاب الصور، يقول عنهم إنهم غير وإننا غير، لذلك تجد الأساطير والحكايات عنهم في المجالس وفي الأهواء وفي الغيطان وعلى المقاهي، لكن حكايات الملوك وأصحاب الصور لا تدخل في قلوبهم ولا تصل بين ضلوعهم، فإن الأسوار ليست من فعل الملك فقط، إن الأسوار الأشرس تلك التي تُقام بابتعاد وإبعاد وصمت من الناس، لذلك تجد مئات الخراطيش تحكى عن الملوك وأصحاب الصور، لكن الاستثناء المدهش المفرد الغريب صاحب اللون الطيني يأتي من حكاية حائرة تتجاوز الزمكان، لتصل عبر التاريخ إلينا من قبل الفلاح الفصيح.
وبسبب نُدرة حكايات المصري المستسلم الفقير تجد صعوبة في رسم حياة المصري المستسلم وكأنه يخلد نفسه في ذاكرة القلوب وليس في ذاكرة الخراطيش والصور. إن تفاصيل المسالم قلبية يغلب عليها الصمت، ظاهرها غير مؤثر، لكن حقيقتها هي الفاعلة، هذه الشخصية المسالمة ظاهرها البطء، تجعل المحتل يعيش قروناً والمصري يهادن باستسلام كاذب. الهكسوس عاشوا ملوكاً علينا قروناً، لكنهم طردوا. الأتراك عاشوا حكاماً علينا ستة قرون، لكنهم طردوا.
الإنجليز والفرنساوية، والآن الأمريكان يُظن أنهم قادرون لكنهم في قبضة المستسلم يسقطون.
المسالم شخصية محترف في استسلامه، لكنه صاحب استراتيجية وذكاء مجتمعي عميق، يسمى بالدولة العميقة، ويسمى بسمات وملامح تاريخية، يعيش المسالم مع الملوك بالمسافات، لكن يظهر الاستثناء المبهر في ثورة 1919.
يظهر الاستثناء في شخصية عبدالله النديم، في شخصية عمر مكرم، في شخصية عرابي، في شخصية القاضي، وفي شخصية سيد درويش، إنه سيد درويش الذي أظهر أن للمسالم أنياباً، سيد درويش أظهر لشخصية المصري الفلاح والعامل والمكافح ملامح انتصار، سيد درويش هدّد بطقاطيق وأغانٍ ومونولوجات كيان المحتل البريطاني، فعل سيد درويش بالموسيقى وكلمات بديع خيري ما لم تفعله المتاريس والمدافع، حتى تغيّرت الملوك في مصر وحكمها أبناؤها، حكمها نجيب وعبدالناصر ومن بعدهما، ورغم أن الحاكم مصري من أصحاب الصور، فإن الشخصية المصرية العميقة التاريخية القديمة لم تتخلّ عن أحد أهم ملامحها، كونه صاحب شخصية المسالم، هذا ما يجعل لنجمه السينمائي هدفاً نبيلاً لا يبادر ولا يتهجم على أحد، تجد التعاطف ينبع من كونه مستسلماً تعرّض للهجوم.
وكما سبق في الاستثناء قبل عبدالناصر، ظهر استثناء بعد هزيمة 67، ظهرت شراسة المصري وقوته في الدفاع عن أرضه ومكمنه، ظهر إبراهيم الرفاعي ومن معه حتى انتصار أكتوبر المجيد، لتعود مرة أخرى الشخصية المصرية المسالمة، حتى في تغيير طبيعة ونسيج الشعب عندما حلت الهجرة محل السكن، واضطر المصري إلى ترك بيته وأسرته وحيه وقريته، لتظهر شوائب كثيرة تغيّرت فيها ملامح الشخصية المصرية، لكن تظل المسالمة ركيزة وجداراً حامياً يحمي مصر من الرعونة والانقسام، اللهم فاشهد.