زوال العقائدية في الشرق الأوسط
إن قيام دولة مقاتلة عظيمة ثابتة الدعائم في الشرق الأوسط، يجعلها قادرة على أن تؤثر على أوروبا وآسيا وإفريقيا، وأن تحمي مجالها الحيوي في أي ناحية تريد، كما تستطيع تفريق الحلفاء بعضهم عن بعض والتعامل معهم واحدا إثر الآخر. لذلك حرصت الدول الكبرى، وعلى رأسها أمريكا، أن تقضي على أي محاولات لبزوغ وانطلاق دولة قوية في المنطقة العربية، خاصة بعد أن انتشرت حركة القومية العربية وعمت الوطن العربي من الخليج إلى المحيط في فترة زمنية تزيد على نصف قرن، وكانت تهدف إلى تحقيق الوحدة العربية الشاملة.
منذ منتصف القرن العشرين، شهدت المنطقة العربية والشرق الأوسط موجة من الثورات العقائدية التي سعت إلى تأسيس نظم سياسية تُبنى على أسس أيديولوجية قوية، تتبنى القومية العربية والاشتراكية. كانت هذه الثورات جزءا من رد فعل ضد الاستعمار، السعي لتحقيق الاستقلال، ومواجهة الأنظمة الفاسدة. لكن، فى الوقت الحالي، يشهد العالم العربي تراجعا في تأثير الاتجاهات العقائدية، بعد جهود وتدخلات أمريكية وغير أمريكية.
بدأت الاتجاهات العقائدية في المنطقة فى الخمسينيات والستينيات مع ظهور القومية العربية التي علت رايتها على يد جمال عبدالناصر والتي اعتُبرت رائدة في تطوير مفهوم «الاشتراكية العربية». كانت الثورة تتمحور حول أفكار وحدوية تسعى إلى توحيد الدول العربية في مواجهة الاستعمار والمصالح الغربية.
في سوريا والعراق، تبنى حزب البعث الفكر القومى ذاته مع تأكيدات على الوحدة والاشتراكية. وفي ليبيا، كان النظام يسعى لتطبيق نظرية «الجماهيرية» التي كانت تهدف إلى إقامة مجتمع بدون طبقات تماشيا مع الأيديولوجية الماركسية والشيوعية. أما في اليمن، فقد شهدت الثورة اليمنية والسلطة الاشتراكية تطورا مماثلا، حيث سعى النظام الماركسي إلى تأسيس دولة تحت قيادة حزب الوحدة اليمني في الجنوب.
حققت الثورة العقائدية نجاحات في الدول التي تبنتها، منها تحقيق استقرار اقتصادي نسبي في فترة الخمسينيات والستينيات من خلال تأميم القطاع الخاص والمشاريع الوطنية الكبرى مثل السد العالي. كما كانت الحرب ضد إسرائيل في أكتوبر 1973 نجاحا كبيرا بفضل التنسيق العسكري بين الدول العربية. وفي العراق وسوريا، كانت هذه العقائد تضمن نوعا من الاستقرار الداخلي، لكن رغم النجاحات التي حققتها الأنظمة العقائدية، فإنها عانت من العديد من الإخفاقات التي أدت إلى تراجع هذه الأفكار بسبب التدخلات الخارجية الأمريكية والأوروبية، خاصة بعد الحرب الباردة. كان لذلك الحدث تأثير كبير فى تفكيك هذه الأنظمة، وأدت التدخلات العسكرية في العراق وليبيا، وتغيرات السياسة الخارجية الأمريكية إلى تعزيز الأنظمة التي تبنت سياسات غربية، ما أسهم في انهيار الأنظمة العقائدية. وكان انهيار الاتحاد السوفيتي ضربة قاصمة للأيديولوجيات الاشتراكية في الشرق الأوسط، حيث خسرت هذه الأنظمة دعما اقتصاديا وعسكريا هائلا.
مع زوال الفكر العقائدي القوي، تتجه دول الشرق الأوسط إلى مرحلة من التفتيت السياسي والاجتماعي، حيث تزداد الفجوات بين القوى التقليدية في ظل تغيرات عميقة في بنية الدول القومية. وقد يؤدي غياب الأيديولوجيات الجامعة إلى تحولات جذرية فى الهويات الوطنية. كانت العقائد السياسية تشكل إلى حد كبير الإطار الجامع لهذه الدول، فالقومية العربية، على سبيل المثال، كانت بمثابة الرابط الذي وحَّد العديد من البلدان تحت شعار التضامن العربي، وأيديولوجيا الاشتراكية كانت أداة لبناء الدولة الحديثة.
التدخلات الدولية، خصوصا من قوى كبرى مثل الولايات المتحدة، أسهمت في تدمير الأنظمة العقائدية القائمة. غياب العقيدة السياسية يعزز من تأثير هذه القوى الخارجية على المسار الداخلي لهذه البلدان، مما يزيد من حالة عدم الاستقرار ويفتح المجال للمزيد من الهيمنة أو التدخلات السياسية.
فى الخمسينيات والستينيات كانت هذه الأيديولوجيات تمثل الأمل في مواجهة الاستعمار والمساواة الاجتماعية، لكنها لم تعد قادرة على تلبية احتياجات الشعوب بشكل كافٍ. بالإضافة إلى ذلك، فإن الشباب في المنطقة لم يعودوا يتبنون هذه الأفكار بنفس الحماسة التي كانت موجودة في الماضي.