الشيخ ياسر السيد مدين يكتب.. قال: صدقت
الشيخ ياسر السيد مدين يكتب.. قال: صدقت
يجلس سيدنا جبريل عليه السلام، فى صورة الرجل الغريب الذى لا يعرفه أحد من الصحابة، وهو يستمع ما عرّف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقيمَ الصلاة، وتُؤتىَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتحجَّ البيت إن استطعتَ إليه سبيلاً».
وبعد أن انتهى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، من هذه الكلمة الجامعة للإسلام، إذا بهذا الرجل الغريب يقول: صدقْتَ!
وهنا تعجّب الصحابة، وحقَّ لهم العجب، فالسائل لا يكون عالماً بما يسأل عنه، وإلا لما تجشَّم [أى: تكلَّف] مشقة الحضور من أجل أن يسأل، والذى يقول: (صدقت) رجل عالم بالجواب، فلماذا حضر وسأل إذن؟!
ثم إن هذا الأمر لا يُعلم إلا مِن قِبَل الوحى الذى نزل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين عليهم السلام، وليس معه نبى آخر، فمِن أين للرجل هذا العلم وهو لا يكون إلا بوحى؟!
يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه: «فعجبْنا له يسألُه ويُصدقُه»، وهى كلمة تبين فى وضوح أن هذا العجب كان شعوراً عامّاً لحظَه سيدنا عمر رضى الله عنه فى كل الصحابة الحضور رضى الله عنهم وأرضاهم جميعاً، وهذا أيضاً من الأمور التى جذب بها ذلك الغريب الحاضر -الذى تمثل فى شخصه أمين الوحى سيدنا جبريل عليه السلام- أنظار الحضور وانتباههم.
ثم قال الرجل الغريب لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأخبرنى عن الإيمان».
أى: فأخبرنى عن الإيمان بعد إذ أخبرتنى عن الإسلام، والإخبار إعلام بما حصل من الخبر، وهذه الكلمة تبين أنه يطلب منه أن يُعلمه بالوحى، فالوحى خبر السماء المنزل على سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وحينما يُقال: (أخبرنى) يكون المعنى: طلب الإعلام بما حصَل من أخبار كما يقول العلماء، وهذا بخلاف ما يحصل علمه بتجربة يقوم بها الإنسان، أو بملاحظة يلاحظها المراقب لبعض الأمور، وهذه مسألة مهمة، وهى أن العلم الذى جاء به الوحى مختلف عن العلم المحصّل بالتجربة الإنسانية والملاحظة البشرية، فمن الخطأ أن يُترجم هذا العلم بكلمة (sciences)، لأن معناها يختلف مع حقيقة هذا العلم.
فالعلم المحصّل عن طريق التجربة محدود بمحدودية التجربة، وبما اكتنفها من أحوال يؤدى اختلافها إلى اختلاف النتيجة. وكذلك العلم المبنى على الملاحظة والمراقبة محدود بمحدودية هذه الملاحظة والمراقبة، فقديماً لاحظ الناس حركة الشمس وثبات الأرض، ثم بعد ذلك اكتشفوا أن الأرض هى التى تدور حول الشمس.
أما علم الوحى فهو يقين لا شك فيه ولا اضطراب ولا اختلاف؛ لأنه وحى من رب العالمين «الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى»، فهو يقين مطلق.
إذن الرجل الغريب يطلب إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يجيبه بما أوحاه الله تعالى إليه، ومعروف لدى العرب كلهم أن سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يكن يقرأ ويكتب، ولم يتلقَّ شيئاً من العلم عن يد أحد، ولم يكن له رحلات يلتقى فيها بذوى علم يتلقى منهم، ولم تكن له تجارب علمية يستخلص منها نتائج، فلماذا إذن يقول له أمين الوحى عليه السلام: «أخبرنى» طالباً أن يكون جوابه من الوحى لا من غيره، وليس عند سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، شىء غير الوحى؟!
إن هذا كان من سيدنا جبريل عليه السلام، جذباً للحضور حتى يزداد انتباهم لتلقى الوحى الشريف.
وكلمة (فأخبرنى) بدأت بفاء، والفاء من حروف العطف، والعطف يقتضى التغاير، أى: المعطوف يختلف عن المعطوف عليه، فهو قد سأله عن الإسلام وعرف ما عنده وصدَّقه فيما قال، وهو الآن يسأله عن الإيمان وهو غير الإسلام، فهو حقيقة أخرى، نعم قد يطلق الإسلام ويشمل الإيمان، فيقال: (فُلانٌ مسلم) ويُقصد من هذا تمتّعه بالإيمان، والإيمان يقتضى الإسلام قطعاً، لكن الأصل أن الإسلام يختلف عن الإيمان، ولهذا سأله عن الإيمان.
فقال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن تؤمنَ باللهِ، وملائكتِه، وكُتبِه، ورُسلِه، واليومِ الآخر، وتؤمنَ بالقدرِ خيرِه وشرِّه».