الخطة العاجلة أن يبقى الفلسطينيون أحياء على أرضهم
ياااه على أهل غزة العظام، صامدون مقاومون صابرون طوال 455 يومًا على القتل بكل أنواعه بالرصاص والقنابل والمدافع والعطش والجوع والمرض، ثابتون على أرضهم مقاومون للتهجير قسراً، ونزوحًا من الشمال للجنوب ومن الجنوب للشمال، يبيتون في العراء، ذاقوا حرارة الشمس الحارقة، ولسعة البرد القارس.
لكنهم أبداً لم يفكروا في ترك أرضهم، ولم يتخلوا عن وطنهم، دفعوا ثمنًا غاليًا 45 ألف شهيد أكثرهم نساء وأطفال ومائة ألف مصاب، أيضًا أغلبهم أطفال ونساء وعجائز، وتهدمت غزة عن بكرة أبيها، منازل ومستشفيات ومدارس ومحطات مياه وكهرباء وصرف وأصبحت أطلالًا.
لم يذق شعب في العالم مرارة الحياة كما ذاقها هذا الشعب المكافح، الذي كان يصحو وينام على أصوات الانفجارات والصراخ والبكاء والاعتقال من قبل قوات الاحتلال، طوال الخمسة عشر شهرًا الماضية.
وأخيرًا تم التوصل إلى اتفاق وقف قتل الشعب الفلسطيني..
ولا يعنيني الآن من المنتصر، ولكن الذي يعنيني هو وقف نزيف دماء هذا الشعب المقهور، وتوصيل المساعدات الغذائية والإنسانية والطبية لما تبقى منه حيًا، ولست مع الذين يكيلون الاتهامات للمقاومة، ويحللون الموقف، ويقولون كان مفروضًا يحدث كذا، ولم يكن مفروضًا أن يقع هذا، ويؤصلون ويتفلسفون، وهم في بيوتهم ومكاتبهم وبلادهم ينعمون بالدفء والطعام والشراب والأمان، ولا يشعرون بمعاناة أهل غزة الذين كانوا يعانون قبل الحرب مرارة الاحتلال.
لم يكن يعنيني «اليوم التالي» بقدر ما كان يشغلني أن يتوقف قتل الفلسطينيين وإيصال المساعدات للأحياء منهم، فهذه هي الخطة العاجلة التي تهمني، وهي أن يبقى الشعب الفلسطيني حيًا على أرض وطنه. وهذا ما كانت تفعله مصر وتنتهجه وتسعى وتدعو إليه من أول يوم اندلعت فيه حرب الإبادة.
أما إذا شغلنا أنفسنا بمن المنتصر فستجد من يقول إن إسرائيل المنتصرة في حين أن الداخل الإسرائيلي ووزيري الأمن القومي والمالية في حكومة نتنياهو والرافضين لصفقة وقف قتل الفلسطينيين يرون عكس ذلك لأن انسحاب الجيش من غزة ومحور فيلادلفيا وعودة أهل غزة لأرضهم هزيمة لإسرائيل وانتصار لحماس، حتى لو عاد الأسرى لذويهم ففي المقابل سيتم الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين لأنهم -من وجهة نظرهم- إرهابيون.
وعلى الجانب الآخر من يرى أن النصر كان لحماس فكان الرد عليهم من حركة فتح أنه كان لإسرائيل بسبب الخسائر الفادحة في الأرواح والممتلكات، وأن ما نتج عن الصفقة هو أقل بكثير من المكاسب التي حصلت عليها فلسطين في مفاوضات أوسلو عام 2005 عندما حققت الحكم الذاتي في غزة وأريحا.
وكان يمكن البناء على هذه المكاسب، ودفع المفاوضات إلى حل الدولتين، فرحة عارمة كست وجوه أهل غزة وهم يحتفلون بحرية التحرك في أرضهم دون خوف ودون قتل، بددت عذاب ومعاناة الخمسة عشر شهرًا.. سيبدأون في لملمة جثث شهدائهم الذين دفنوهم بعشوائية في أماكن جماعية، تمهيدًا لنقلهم إلى مناطق المقابر، وسيبحث البعض الآخر عن مفقوديهم تحت الأنقاض.
ندعو الله أن تستمر الصفقة دون اختراق، وظني أن توقيت تنفيذها قبل يوم من حفل تنصيب ترامب برئاسة الولايات المتحدة قد يكون ضامنًا مهمًا لاستمرارها، تنفيذًا لوعد الرئيس الجديد بأنه سيُنهى الحرب قبل تنصيبه، وقد مر يومان على وقف إطلاق النار دون خرق.
آن الأوان للمّ شمل كل الفصائل الفلسطينية تحت العلم الفلسطيني، حتى لا يلعب العدو الإسرائيلي مجددًا على وتر الفُرقة.
وقد لعبت مصر دورًا حاسمًا وفعالًا في الوساطة مع قطر والولايات المتحدة، وقبل الوساطة كان دورها الأكبر في وأد المحاولات الإسرائيلية المستميتة للتهجير القسري لأهل غزة، وأيضًا في انسحاب العدو من ممر فيلادلفيا، وأن تكون إدارة قطاع غزة ومعبر رفح من خلال السلطة الفلسطينية دون مشاركة إسرائيلية.
هنيئًا للفلسطينيين بفرحتهم التي لن يستطيع العدو أن يسرقها منهم، تحرير الأوطان ثمنه غالٍ.. لا يدفعه ولا يقدره إلا الأحرار.