حرب الذكاء الصناعي
نزل خبر إطلاق الصين لتطبيق الذكاء الصناعي الخاص بتطبيق «ديب سيك» كالصاعقة على الولايات المتحدة، وكأنّ بكين أطلقت قنبلة ذرية، كالتي ألقتها واشنطن على اليابان فى الحرب العالميّة الثانية عام 1945.
فحرب القرن الواحد والعشرين لن تكون بالقنابل والمدافع، بل ستكون حربا تجارية، تتصارع فيها الدول الكبرى -وأقصد هنا أمريكا والصين -تكنولوجيا.
أمريكا أنفقت ما يقرب من 200 مليار دولار على الذكاء الصناعي المعروف باسم «شات جي بي تي»، وقد بدأت في الأبحاث الخاصة بهذا التطبيق منذ ما يقرب من 10 سنوات، وأعلن ترامب بعد توليه السلطة أنّه سيضخ ما يقرب من تريليون دولار فى أبحاث وتكنولوجيا الذكاء الصناعي، لتصبح أمريكا الرائدة في هذا المجال، وفجأة ومنذ أيام معدودات أطلقت بكين تطبيقها الجديد لينافس التطبيق الأمريكي، بل ويسحقه ويتفوق عليه، وتتم إتاحته مجانا للمستخدمين، ولكي تجهز بكين على واشنطن، أعلنت أنّها أنفقت على تطبيقها المتفوق 50 مليون دولار فقط! ليخرج ترامب لوسائل الإعلام مصدوما متسائلا: كيف فعلت الصين ذلك رغم أننا حظرنا تصدير الرقائق والشرائح الإلكترونية لها، وأمريكا بها أفضل علماء العالم؟.
الصين لم تصدم الباحثين والعلماء الأمريكيين وترامب فقط، بل صدمت بورصة أسهم شركات التكنولوجيا الأمريكية، حيث هبطت أسعار أسهمها بشكل مفزع وكبدتها خسائر فادحة ووصلت خسارة إحدى الشركات إلى 500 مليار دولار.
ووسط هذه المنافسة الشرسة المحتدمة بين بكين وواشنطن والتي تنبئ بصدام تجاري وشيك، سيستخدم فيه ترامب كل أسلحته كمنع السلع والبضائع الصينية من الدخول لأمريكا، أو فرض جمارك وضرائب مرتفعة على هذه السلع، ومقاومة منظمة «البريكس» التي تحد من التعامل بالدولار في التعاملات، والسيطرة على قناة بنما، الممر المائي الأهم في حركة التجارة الصينية.
تقف أوروبا القارة العجوز مكتوفة الأيدي، عاجزة عن مجاراة البلدين في المنافسة التكنولوجية، وقد تتجه رؤوس الأموال الأوروبية إلى الاستثمار في التكنولوجيا الصينية لأنها أقل تكلفة وأكثر انتشارا وأكثر ربحا.. وقد يؤدي ذلك إلى قيام ترامب باتخاذ إجراءات حادة مع أوروبا وأولها وقف مساهمة بلاده ماليا ولوجيستيا لحلف الناتو، ما قد يؤثر على اختلال موازين القوى في غير صالح دول أوروبا!
التكنولوجيا الصينية غزت كل المجالات ليس في الذكاء الصناعي فقط، بل في صناعة السيارات الكهربائية، ما أثر سلبيا على الشركات الكبرى والعريقة في صناعة السيارات بأمريكا وأوروبا، ما دفع بعض الشركات لإغلاق كثير من مصانعها وتسريح عمالها وركود إنتاجها بعد أن أصبحت غير قادرة على منافسة التنين الصيني الذي يسعى جاهدا الآن لشراء شركة «فولكس فاجن» الألمانية العريقة، حتى تستطيع الصين أن تبقى في الأسواق الأوروبية دون أن تتعرض لأي إجراءات حمائية من دول أوروبا.
المشهد الاقتصادي والتجاري العالمي أصبح أكثر تعقيدا، ولا يترك مساحة ولو صغيرة للدول غير المنتجة، وغير القادرة على السير في ركاب التسارع التكنولوجي.
لم يكن هذا المشهد واضحا قبل وصول ترامب للبيت الأبيض، فقد كان تفكير واهتمام سلفه «بايدن» منصبا على معالجة الأزمات بطرق عسكرية؛ إما بطريقة مباشرة أو عن طريق الحرب بالإنابة، أما ترامب فهو يستخدم السلاح الاقتصادي والتكنولوجي لفرض سيطرة بلاده على العالم.. ولا يلعب سياسة ولا يمارس المواءمات في التعامل مع كل الدول.. ويدير أمريكا بعقل التاجر لا بعقل السياسي، وقد يدفعه ذلك إلى ممارسة الضغط على دول الخليج لاستثمار أموالها في بلاده، إذا ما فضلت أوروبا التوجه إلى الصين التي تستخدم قوى ناعمة وعملتها -اليوان- أضعف من اليورو والجنيه الإسترليني بعكس الدولار، ما سيجعلها تجني أرباحا أكثر وعائدا أفضل!
الآن قوة العقول هي التي تتحكم في مصائر الدول، وتتحكم في تصنيفها، وهي الاستثمار الرابح.
البقاء لم يصبح للأقوى بل سيكون للأذكياء فقط.