عمال القناة الأولى.. حفر بـالسخرة وأجور بـالمليم

كتب: سارة سعيد

عمال القناة الأولى.. حفر بـالسخرة وأجور بـالمليم

عمال القناة الأولى.. حفر بـالسخرة وأجور بـالمليم

تحت أشعة شمس لا ترحم، ومراقبون كانت الشمس أرفق بهم ممن وقفوا لمراقبتهم، عانى الآلاف من عمال القناة الأولى، ظروف عمل قاسية، لم تشفع لهم عند مرؤوسيهم، بل كانوا عبيدًا في "السخرة" لا حول لهم ولا قوة، سوى العمل والعمل وفتات خبز وماء، لم يرها أي منهم إلا بعد موت العشرات، وأجور حددت لهم، كانت أملهم في تحمل كل تلك المشقات التي قد تودي بحياتهم ولم يطلها أي منهم، هكذا كان حال عمال قناة السويس الأولى تحت وطأة السخرة، لكن اختلف الحال في القناة الجديدة، حيث اختفت "السخرة"، وحل محلها العمل بكرامة وشرف في واحد من أكبر المشاريع القومية في مصر. تضاربت الآراء حول الأجور التي تلقاها عمال السخرة في حفر قناة السويس، وانقسم المؤرخون بحسب كتاب "قناة السويس والأيام التي هزت الدنيا" للمهندس عبدالحميد أبوبكر، الذي كان أحد ضلوع مثلث تنفيذ خطة تأميم القناة، فالبعض أنكر دفع الشركة أجور للعمال نظير عملهم، والبعض الآخر أقر بالعكس، في مقدمتهم ديليسبس وغيره من رجال شركة القناة وأنصارها. "لا يوجد الآن عمل في مصر يظفر بمحبة بين الجماهير أكثر من العمل الذي ينفذ في برزخ السويس"، هكذا قال ديليسبس في خطابه الذي ألقاه في اجتماع الجمعية العامة لمسهمي الشركة، يوم 15 مايو 1861، بينما في اجتماع آخر عام 1964، قال: "العامل يعود لقريته حاملا مبلغ من المال، وهذا أمر لم تشهده القرية المصرية من قبل"، وكذا سعت جريدة الشركة في مناسبات عديدة، إلى إبراز فكرة تلقي العمال للأجور، الأمر الذي لم يألفه أهل البلاد. ولم تنص لائحة استخدام العمال المصريين في حفر القناة، على ضرورة دفع الأجور للعمال فقط، بل توسعت لتحدد فئات الأجور حتى تتجنب ظلم العمال، ليتراوح أجر العامل بين قرشين ونصف قرش و3 قروش في اليوم، عدا الخبز المقدد الذي قدر ثمنه بقرش، بينما أجر الأطفال الذين استخدمتهم الشركة ويقل عمرهم عن 12 عاما، حددت لهم اللائحة قرش واحد كأجر لهم. ضُربت اللائحة وأجورها المحددة بعرض الحائط، وفقا لمذكرات أبوبكر، الذي أوضح أن الشركة أخلت بالتزاماتها من خلال مظهرين، الأول أنها ألغت نظام دفع الجور على أساس عدد الأيام التي يقضيها العامل في الحفر، واستبدلت به نظام آخر جائر، وهو تحديد الأجر وفقا للإنتاج في العمل أي نظام "المقطوعية"، والثاني أن الشركة لم تدفع أجور العمال بانتظام، ما تسبب في تراكم مبالغ طائلة قدرتها لجنة التحكيم الفرنسية بـ4 ملايين ونصف مليون فرنك، ما يعادل 173.250 جنيه آنذاك، وهو مبلغ كبير بالنسبة لضآلة الأجور من ناحية، والقيمة النقدية لذلك الوقت من ناحية أخرى. نظام "المقطوعية" حينها كان يقضي بأن يستلم العامل أجزاء من الأرض التي ستحفر عليها القناة، يكتب على كل جزء منها رقم ومعلومات بالعربية، حول مقدار الأنقاض المقرر إخراجها من الأرض، والأجر الذي يدفع عن حفرها، بحيث تخطط الأرض على شكل مستطيل، ويحدد لكل عامل أجزاء معينة يقوم بحفرها تباعا، تستغرق الحفرة الواحدة منها 5 أيام حفر، يحفرها العامل الواحدة تلو الأخرى حتى انقضاء الشهر المقرر لإقامته في ساحات الحفر. ورغم أن نظام المقطوعية، الذي بدا وكأنه يكافئ العامل المجد، إلا أن مراقبي الحفر كانوا يتعاملون بصرامة شديدة، لا تسمح لأي عامل بالتهاون في العمل، بل كانت الشركة تحرص عند اختيار عمال السخرة من البداية، على أن يكونوا أقوياء وأشداء، يتحملون العمل المضني دون تراخ، ويستبعدون الشباب العمال الهزيلي الجسد. وإمعانًا في المزيد من استعباد عمال السخرة في عمليات حفر القناة، حددت الشركة من تلقاء نفسها دون الرجوع للسلطات المصرية، أجور منخفضة جدا للعمال، بل وجعلتها تختلف باختلاف نوع الترعة التي تحفر فيها القناة، سواء بحرية أو ماء عذب، على النحو التالي: "صورة" وبناء على تلك التقسيمات التي حددتها الشركة، بلغ متوسط أجر العامل 57 قرشا ونصف للشهر الكامل في حفلا ترعة ماء عذب، و50 قرش متوسط حفر ترعة قناة بحرية، بينما حددت لائحة 20 يوليو 1856 الأجر اليومي للعامل بـ4 قروش، وما زاد من جور النظام الذي اتبعته الشركة، هو أن العامل كان يتدبر من ذلك الأجر الضئيل طعامه، ليس فقط، بل نفقات طعام مندوبي الحكومة المصرية والحراس وطعام دوابهم، لينفقوا تلك الأموال التي وصفها أبوبكر بـ"التافهة" في احتياجات طعامهم وسفرهم الطويل، ولا يتبق لبيوتهم شيئا.
اجور عمال قناة السويس