تعقيم غزة والقضية الفلسطينية

تعقيم غزة والقضية الفلسطينية

التصريحات التي انطلقت قبل وخلال وبعد المباحثات بين الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، تجعلنا نستعد ونُجهز أنفسنا للسيناريوهات الأكثر سوءاً القادمة المتعلقة بفلسطين والشعب الفلسطيني وقضيتهم.. فما لاقوه خلال الـ15 شهراً الماضية بكل مآسيه سيكون أقل سوءاً من القادم، وهذه ليست نظرة تشاؤمية، ولكنها توصيف لواقع قائم، حتى لو كان مرفوضاً.

وبتحليل مضمون تصريحات ترامب خلال وبعد زيارة نتنياهو نجد الآتي:

- تهجير الشعب الفلسطيني سيتم وستتكرر نكبة 1948.. والدليل: إصرار ترامب وعدم تراجعه عن فكرة التهجير رغم الرفض القاطع لمصر والأردن و8 دول عربية، حيث قال: سيتم التهجير لدولة أو اثنتين أو 12 دولة، فإذا أذعن للرفض العربي فإنه سيقوم بتهجيرهم إلى دول أخرى، ربما قد تم الاتفاق معها ولم يفصح عنها.

- التهجير سيكون بلا رجعة.. والدليل كلماته الصريحة، سيتم نقلهم -أي أهل غزة- نهائياً.

- الاستيلاء على الضفة الغربية، لصالح توسّع إسرائيل.. والدليل قوله: إسرائيل لا بد أن تتوسّع، ويمكن الاستعانة بجزء من الضفة الغربية.

- خلخلة غزة وتعقيمها من أهلها والسيطرة على تكاثرهم الذي بات أقوى سلاح يُهدّد الدولة اليهودية، وليس المقاومة، ولا الأسلحة التقليدية.. والدليل قوله: إنه لا يمكن أن يوجد مليون و800 ألف فلسطيني في غزة، ولا بد من تفريغها من سكانها وتسويتها بالأرض وإعادة بنائها من جديد..

وطبعاً سيكون ذلك بطريقة تُقلص عدد ساكنيها، وتكون غير قابلة لاستيعاب أكثر من العدد الذي ستُحدّده إسرائيل بالشكل الذي لا يُهدّد أمنها.

- نزع قيمة الاكتفاء الذاتي من الغذاء التي كان يتمتع بها القطاع.. والدليل في قوله: سنُوفر لسكان غزة فرص عمل في الصناعة وحرف أخرى..

ولم يذكر الزراعة، حتى يصبح القطاع معتمداً على طعامه من إسرائيل!

- سيطرة الولايات المتحدة على إعادة الإعمار وتخطيط غزة وتولى الإدارة فيها.. والدليل في قوله: ستتولى أمريكا إعادة التخطيط وإدارة القطاع، وسيتم البناء وإعادة الإعمار بتمويل من دول صديقة!

- نسف أي أحلام في إقامة دولة فلسطينية.. والدليل: لم يتم ذكر فلسطين أو الشعب الفلسطيني نهائياً في تصريحات ترامب، وكان يستخدم «سكان غزة» أو «سكان القطاع» أو «سكان الضفة».

- بوادر إعادة إطلاق النار.. الدليل قوله: وقّعت قراراً بمنح إسرائيل مليار دولار تخصّص لمدّها بالأسلحة.. لا توجد أي ضمانات لاستمرار وقف إطلاق النار.

وظني أن إسرائيل ستستأنف إطلاق النار على أهل غزة بعد تسلمها آخر رهينة من حماس.

خطة «التعقيم» لغزة والقضية الفلسطينية لم تبدأ بعد طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023، ولكنها في ذهن نتنياهو قبل ذلك بكثير، والذي يتصور أن طوفان الأقصى قد حلحل القضية أراه مخطئاً، فقد عجّل بالإجهاز عليها، خاصة مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض «أعظم رئيس يدعم اليهود والدولة اليهودية».

العقبة الوحيدة في تنفيذ المخطط اليهودي لتوسع إسرائيل وتعقيم القضية الفلسطينية واستمرار وجود بصيص من أمل في «حل الدولتين» هي مصر، التي تقف حجر عثرة أمام هذا المخطط.. بإصرارها على عدم التهجير طوعاً أو قسراً، وسعيها الدائم للحصول على الدعم الدولي لهذا النهج.. ونزعها أكثر من مرة فتيل الحرب الشاملة في المنطقة، والذى طالما كانت تريده إسرائيل.. مبادرات مصر الحثيثة على جمع الأمة العربية على كلمة واحدة وموقف موحّد سواء في المنطقة أو في المحافل الدولية.. إصرار مصر الدائم على ضرورة توصيل المساعدات الغذائية والإنسانية والطبية والإغاثية إلى أهل غزة، من المنطلق الإنساني ومن منطلق دعم صمود أهل غزة وتمسكهم بأرضهم ووطنهم.. استمرار قوة الجيش المصري سيظل هو غطاء لحماية الأمة العربية.

ويأتي مع الموقف المصري الصمود التاريخي والبطولي لأهل غزة الذين سطروا أمام العالم ملحمة وظهروا بصورة ستبقى عالقة في الأذهان على مدار التاريخ وهم يحملون البطاطين والحلل وما تبقى من أشيائهم البسيطة عائدين إلى شمال غزة، وهم يعلمون أنهم ذاهبون إلى الأطلال، وكان أول ما فعلوه ليس نصب الخيام أو البحث عن مكان يؤويهم، ولكن كان بحثهم عن شهدائهم الذين سقطوا تحت الأنقاض في حرب الإبادة البربرية التي شنّتها الدولة اليهودية التي يدعمها ترامب.

يا أهل فلسطين ابقوا صامدين ونحن مع حقوقكم المشروعة.