الطوفانان.. «الأقصى» و«العودة»

كان طوفان عودة أهل غزة إلى شمال القطاع أقسى على العدو الإسرائيلي من طوفان الأقصى، فطوفان 7 أكتوبر قام به فصيل من فصائل المقاومة، أما طوفان 27 يناير ففعله أكثر من مليون فلسطيني، كانوا الموج الهادر الذي لا يستطيع أحد أن يوقفه.

وهذا ما تخشاه إسرائيل في الحقيقة، وليس أسلحة المقاومة، فهي قادرة على أن تقضي على حماس وأسلحتها، لكنها أبداً لن تستطيع القضاء على تمسك الفلسطينيين بأرضهم، ولا على تكاثرهم المتصاعد والمتعمد والممنهج، الذي أصبح عقيدة وفطرة كل رجل وامرأة فلسطينية.

لهذا السبب، تعمل إسرائيل جاهدة على مخطط التطهير العرقي، بعد أن فشلت في مخطط الإبادة، وترفض حل الدولتين وإقامة دولة مستقلة آمنة لـفلسطين، لأنها تعلم أنه مع مرور السنين سيتضاعف عدد الفلسطينيين، وسيفوقون إسرائيل عدداً، وهذا ما لا تقدر عليه إسرائيل ولا تستطيع مواجهته، لا بالإبادة ولا بالتطهير.

العدو على يقين أن كل فلسطيني يولد وفي وجدانه أنه إما أن يكون «مقاوماً» أو «شهيداً».

وسط الحالة المزرية التي يحياها أهل غزة حالياً، حيث يعيشون في العراء في درجة حرارة تقترب من الصفر، مع شح في الطعام والشراب والأدوية، إلا أن فرحتهم بوجودهم على أرض وطنهم تجعلهم سعداء ومبتسمين.

ضحكات وابتسامات أهل غزة تزلزل الكيان الصهيوني، وتزيد من إصراره على تفريغ القطاع من أهله.

كل الشواهد تؤكد أن العدو الإسرائيلي قد أسقط "حل الدولتين" من حساباته، وأن خططه وتنسيقه مع الولايات المتحدة ينصب حالياً على إخراج الشعب الفلسطيني من وطنه بأي وسيلة وبأي طريقة، بالتهديد والوعيد تارة، والوعود الوردية تارة أخرى.

منذ أن تبنى ترامب هذا النهج، أصبح الأمر أكثر تعقيداً، وليس أدل على ذلك من تصريحه الأخير، انسَ الأول الذي قال فيه: "أنا مصر على شراء غزة بالكامل"، وبالتالي فإن التعامل سيكون مع أمريكا وليس إسرائيل!

أحبطت مصر والدول العربية محاولة ترامب وإسرائيل طرح فكرة تهجير أهل غزة، بحجة إعادة إعمار القطاع، وهي الخدعة التي أرادا بها إلهاء الدول العربية عن المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني وحل الدولتين.

إلا أن هذه المحاولة الفاشلة زادت من إصرار الدول العربية على ضرورة حل الدولتين، باعتباره الطريق الأمثل، بل والوحيد، لإحلال السلام في المنطقة.

من المتوقع أن تكون القمة العربية الطارئة، المزمع عقدها في القاهرة يوم 27 فبراير، بمثابة منصة عربية موحدة لإعلان التمسك بحل الدولتين ورفض التهجير القسري أو الطوعي للفلسطينيين، سواء إلى مصر والأردن أو لأي دولة عربية أو غير عربية.

لكنها في الوقت ذاته، لن تكون ضد الولايات المتحدة، لأن الدول العربية، وبخاصة مصر، تسعى للسلام وتدعمه، على عكس إسرائيل التي باتت تستعذب دقات طبول الحرب.

الموقف المصري العربي العظيم برفض التهجير، كان أقوى ألف مرة من أي قرار أممي أصدره مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة، لأنه وأد رغبة دولة عظمى في مهدها، في حين أن هناك عشرات القرارات الأممية لم تُنفَّذ، وأصبحت مجرد حبر على ورق.

لم تتوقف مصر عن المطالبة بإغاثة أهل غزة، فبعد أن كانت في البداية تطالب بوقف الحرب وعودة النازحين وإدخال المساعدات، أضافت الآن إلى قائمة المطالب إدخال المعدات الثقيلة، لبدء عملية إزالة الركام تمهيداً لإعادة الإعمار، وإدخال الخيام للمتضررين.

بصراحة، أشعر بفخر عظيم بمصريتي وعروبتي، ولعلها تكون فاتحة خير على أمتنا العربية، لمزيد من التنسيق والتعاون في مواجهة الصلف الإسرائيلي، والظلم الذي يرتكبه العدو الصهيوني في حق أهل فلسطين، أصحاب أقدم وأعقد قضية في التاريخ، التي لا تزال معلقة بلا حل، بل ومع مرور الزمن ستزداد تعقيدا.