سماسرة الفردوس.. وخبراء صناعة التسول!

آمال عثمان

آمال عثمان

كاتب صحفي

أعظم ما حققه مشروع قناة السويس أنه منح المصريين قدراً كبيراً من الثقة فى قدراتنا على النجاح والإنجاز وصناعة المستقبل، وأثبت أننا نملك اختيار ما نريده نحن، وليس ما يريده الآخرون، والأهم أنه بعث روح الهمة والعمل والعزيمة لدى الكثيرين من أبناء الوطن، لكن أخشى ما أخشاه أن تقف تلك الحماسة عند مجرد الشعارات والكلمات التى نرددها فى عشق البلد، وأن يقتصر ترجمة هذا الشعور الوطنى الرائع على بعض الأغانى التى نتغنى بها فى حب مصر.
وكما أن الأمم لا تتطور بالأغانى، ولا تدرك المستقبل بالشعارات، فإن الأوطان لا يمكن أيضاً أن تبنى وتنهض بالتسول، والشعوب يستحيل أن ترتقى وتحقق الرفاهية بالتبرعات وأموال أهل الخير، لذا يزعجنى كثيراً ويثير حفيظتى وجود رجال حول الرئيس خبراء فى صناعة التسول تحت مسمى عمل الخير، واستشاريين مقربين من السلطة سماسرة فى الاتجار بأمراض الناس وأوجاعهم، ووسطاء إخصائيين فى جمع الأموال مقابل منح صكوك الغفران، وبيع مفاتيح أبواب الفردوس!!
فإذا كانت تلك المنظومة التسولية يمكن أن تبنى مستشفى أو تطعم فقيراً أو تفرج عن سجينة من الغارمات، فهى بالمقابل كارثة اجتماعية وأخلاقية واقتصادية وقانونية، تهدر قيم العمل والسعى والاجتهاد فى المجتمع، وتنشر ثقافة التكاسل والتواكل والتحايل والمكسب السهل، كما تستبيح الاتجار بآلام وأوجاع البشر وأمراضهم، وتقوض مفهوم الكرامة الإنسانية، وتصدر صورة مشوهة عن مصر والمصريين فى الخارج.
الفارق كبير بين التراحم والتعاطف، وبين تحويل العمل الخيرى إلى تجارة وشطارة، وبين التكافل والتضامن الاجتماعى، وذلك السباق المحموم، والمنافسة الإعلانية المسعورة بين المستشفيات والجمعيات والمؤسسات الخيرية، واستثمار الحاجة والعوز والمرض لاستدرار عطف أهل الخير واستجداء مشاعر ذى القلوب الرحيمة بكل السبل والوسائل للحصول على النصيب الأكبر من كعكة التبرعات!!
أدرك أن عجز الدولة عن توفير حلول لمشاكل الفقر والمرض على مدى سنوات طويلة، أشاع تلك الثقافة التى تفشت فى المجتمع، وأفرز تلك المنظومة الموازية التى استمدت شرعيتها من هذا العجز والتقصير الحكومى، وفرضت أجنداتها ومصالحها وثقافتها، وأفسحت أيضاً الطريق أمام أصحاب الضمائر والنفوس الفاسدة للعبث تحت مظلتها!
إن الاتجار بأمراض الناس يطول الحديث حوله، والأموال الطائلة التى جمعها القائمون على مستشفى سرطان الأطفال على طوال سنوات عديدة، سواء من من مصر أو الوطن العربى، تحتاج لتفسير وتستوجب الإيضاح والشفافية، كما أن الاستمرار -حتى الآن- فى تلك الحملات الإعلانية المسعورة لجمع المزيد والمزيد من أموال التبرعات، تثير الكثير من علامات الاستفهام والتعجب!!
وهنا أريد أن أتوقف أيضاً أمام قضية مهمة أثارتها الأستاذة نهاد أبوالقمصان، وأعنى هنا قضية «الغارمات» التى جعلتنا النوايا الطيبة نندفع نحوها دون التفكير فى آثارها وانعكاساتها الاقتصادية الخطيرة، وخطورتها القانونية والأخلاقية على المجتمع، والسؤال الأهم: كيف تتورط الغارمات فى تجهيز بناتهن بالاستدانة مقابل شراء أجهزة كهربائية؟ المعروف فى ثقافتنا أن الأجهزة مسئولية العريس وليس العروسة! والإجابة ببساطة أن الموضوع لا يتعلق أصلاً بجهاز بناتهن، وإنما هو نوع من التحايل للحصول على المال عن طريق ما يسمى بـ«حرق الأجهزة» أى شرائها بالقسط، ثم بيعها نقداً بأقل من نصف الثمن!! ولكننا نجد الجمعيات والمؤسسات تجمع لهن التبرعات، دون تحرى الحقيقة، ودون رقابة من الدولة على أموال المتبرعين، وتوصل «كراتين» الطعام «دليفرى» والأموال إلى أبواب البيوت، وفى النهاية تكون النتيجة ترسيخ ثقافة التسول وتحويله إلى مهنة فى المجتمع، وتشجيع الكسل على البلادة، وعدم الرغبة فى العمل والإنتاج، وغياب الأيدى العاملة فى الحقول والمصانع والورش، وضرب عرض الحائط بمبدأ الالتزام والمسئولية القانونية!! أهكذا تبنى الأوطان وتنهض الأمم ياسادة؟! أهكذا تفتح أبواب الفردوس ونحصل على صكوك الغفران؟!