طه حسين .. ديكتاتور أم باعث النهضة الأدبية

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

شاهدت في صحيفة كبيرة صورة للدكتور طه حسين عميد الأدب العربي في حرم الجامعة مع بعض أشخاص منهم طلابا ومنهم ربما أساتذة أو ضيوف، لفت انتباهي شموخ العميد في وقفته واستقامة عوده، وتمثلته قائدا قوي الشخصية يمكنه أن يدير جمع من الناس وأن يلزمهم بقناعاته بحجج وبتأثير كبيرين. وتساءلت، هل كان العميد بهذه الصورة ديكتاتورا؟.

لطالما أثار العميد جدلًا واسعًا حول شخصيته ومنهجه الفكري، بين من يراه رمزًا للاستنارة والعقلانية، وبين من يتهمه بالصرامة وربما «الدكتاتورية» في آرائه ومواقفه. ويبقى التساؤل بشأنه: هل كان طه حسين دكتاتورًا في مهنته أو حياته الشخصية أو حتى في علاقاته بالآخرين؟ أم أنّ هذه الصرامة كانت ضرورة فرضتها معاركه الفكرية وظروف عصره؟

اشتهر طه حسين بأسلوبه النقدي الجريء، فلم يكن يتردد في تحدي المسلّمات الثقافية والدينية والتاريخية. في كتابه «في الشعر الجاهلي»، تبنى منهجًا شكّاكًا أثار عاصفة من النقد والهجوم، وصلت إلى حد تقديمه للمحاكمة بتهمة المساس بالثوابت الدينية. هذا الطرح الجريء يعكس شخصية لا تعرف المهادنة، بل تصر على إعادة النظر في التراث وفق أسس عقلانية.

هذه الصرامة الفكرية لم تكن عنادا شخصيا، بل كانت، كما يراها أنصاره جزءًا من مشروعه التنويري الذي سعى إلى تحرير العقل العربي من التقليد الأعمى. في هذا السياق، قد يبدو طه حسين «ديكتاتورًا» فكريًا، لكنه دكتاتور من طراز خاص، يسعى لفرض سلطة العقل لا سلطة الفرد.

حين تولى عمادة كلية الآداب بجامعة القاهرة، تجلت صرامته الإدارية بوضوح عندما رفض منح تكريمات وتقديرات لبعض الوزراء ورجال الحكومة، مؤكدًا أنّ الجامعة مستقلة عن السلطة السياسية ولا تتلقى الأوامر منها، فدفع الثمن غاليا، منصبه من العمادة وبقى في منزله بلا عمل لفترة . كان يؤمن بمبادئ صارمة في الإدارة الأكاديمية، ولم يكن يقبل بالتدخل السياسي في القرارات العلمية، ما جعل البعض يصفه بالعناد والتصلب.

عندما شغل منصب وزير المعارف تبنى مبدأ «التعليم كالماء والهواء»، وأصر على تعميم التعليم المجاني رغم معارضة بعض القوى المحافظة. هذه المواقف تظهر صرامته كمسؤول، لكنها أيضًا تكشف عن رؤية إصلاحية لم تكن ترضى بأنصاف الحلول.

في حياته الشخصية، لم يكن طه حسين مختلفًا كثيرًا عن منهجه العام. كان حازمًا في تربيته لأولاده، وصارمًا في تنظيم حياته اليومية. كان دقيقًا في مواعيده حريصًا على النظام، ولا يتسامح مع الإهمال أو التقصير. هذه السمات جعلت البعض يراه شخصية متسلطة، لكنها من زاوية أخرى تعكس التزامًا صارمًا بالمبادئ.

أما في علاقاته بزملائه وتلاميذه، فكان يميل إلى النقاش الجاد، ولا يتسامح مع المجاملة الفكرية. لكنه في الوقت ذاته كان معلمًا ملهمًا، شجّع تلاميذه على التفكير المستقل، حتى لو خالفوه في الرأي. وربما كان هذا التناقض الظاهري هو سر شخصيته: صرامة في الفكر، لكنها تفتح آفاقًا جديدة أمام الآخرين.

لا يمكن وصف طه حسين بالدكتاتور بالمعنى السلبي للكلمة، بل كان شخصية حازمة، تؤمن بالعقل والمنهج العلمي وترفض التهاون في القضايا الفكرية والتعليمية. صرامته لم تكن قمعية، بل كانت انعكاسًا لرؤيته الإصلاحية، مما جعله أحد أعمدة النهضة الفكرية في العالم العربي. وربما كان هذا الحزم هو ما جعله رمزًا خالدًا في تاريخ الثقافة العربية.