وجع في قلب القارة العجوز
بدأ حلف الناتو في الانهيار والموت الإكلينيكي، بعد أن نزع ترامب أنابيب الدعم المالي والعسكري للحلف، حيث تساهم الولايات المتحدة بحوالي 980 مليار دولار من إجمالي نفقات الحلف التي تبلغ 1.5 تريليون دولار، بنسبة 66%.
وظني أن قرار الرئيس الأمريكي بوقف الدعم العسكري للحلف هو بمثابة مسمار في نعشه، وسيكون أمام الدول الأعضاء أحد أمرين:
زيادة مساهماتها لتعويض هذا النقص.
تقليص أعمال ونشاط الحلف.
ولا أعتقد أنّ الدول الأعضاء الـ32، التي تضم 30 من أوروبا واثنتين من أمريكا الشمالية، تستطيع أن تعوض نسبة الـ66% التي فقدتها بوقف المساهمة الأمريكية، حتى لو حاولت كل دولة زيادة حصتها، فإنها ستصطدم بارتفاع العجز في ميزانياتها، وخاصة بعد رفع أمريكا التعريفة الجمركية على وارداتها، سواء من الصلب والألومنيوم أو من المنتجات الأوروبية، وخاصة السيارات، حيث أدى ذلك إلى حالة ركود وزيادة البطالة والتضخم، مما سيجعل الحل الثاني هو الأقرب إلى التنفيذ على أرض الواقع.
وأول إجراءات تقليص أعمال الحلف وترشيد نفقاته هو وقف الدعم العسكري لأوكرانيا، التي استنزفت جزءًا كبيرًا من موازنة الحلف منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وهذا السيناريو هو الذي يريده ترامب لإتمام الصفقة الأمريكية-الروسية، التي اتفق عليها الجانبان خلال محادثاتهما في الرياض، وكذلك إتمام الصفقة الأمريكية-الأوكرانية، والتي بموجبها ستوقع كييف على التنازل عن جزء كبير من ثرواتها المعدنية النادرة لصالح واشنطن، وذلك لسداد مديونيتها -كما عرّفها ترامب- التي تبلغ 350 مليار دولار، وتمثل حجم المساعدات الأمريكية لأوكرانيا في حربها مع روسيا.
القارة العجوز الآن تحاول لملمة جراحها من جراء تجاهل الولايات المتحدة لها في المباحثات بين موسكو وواشنطن فيما يتعلق بكييف، وإعادة حساباتها فيما يتعلق برفع الولايات المتحدة يدها عن حماية أوروبا، بانسحابها غير الرسمي من الناتو، والتخلي عن دورها في حماية أوروبا عسكريًا، وهو الدور الذي التزمت به بعد الحرب العالمية الثانية.
وأرى أنّ الحلف سيخفض من نفقاته في الشرق الأوسط، ما سيقلل النفوذ العسكري الأوروبي في المنطقة، وقد يواجه الحلف أزمة كبيرة إذا ما أقدم ترامب على تنفيذ ما أعلنه بشأن الاستيلاء على جزيرة «جرين لاند» المتمتعة بالسيادة والتابعة لمملكة الدنمارك، وضم كندا، حيث تنص المادة الخامسة من معاهدة تأسيس الحلف المبرمة عام 1949 على أنّ «أي هجوم مسلح ضد إحدى الدول الأعضاء، يُعتبر هجومًا ضد جميع الأعضاء، ويجب على الأعضاء الآخرين مساعدة العضو المعتدى عليه حتى لو تطلب الأمر استخدام القوة المسلحة»، وبالتالي فإنّ دول الحلف ستكون ملزمة باستخدام القوة المسلحة ضد الولايات المتحدة، لأن الدنمارك وكندا من الدول الأعضاء.. وطبعًا هذه المواجهة مستبعدة تمامًا، وإن كنت أتمنى وقوعها!
ستشهد الشهور القادمة حالة من الفوضى الشاملة، اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا، بسبب القرارات الترامبية غير المدروسة، والتي لا يستعين في إصدارها بدوائر صنع القرار في أمريكا، حيث يتصور الرئيس الأمريكي أنه يمكن أن يدير بلاده بعقلية رجل الأعمال المطور العقاري، وليس بعقلية السياسي.
لكن رب ضارة نافعة، فالصدام الأمريكي-الأوروبي المتمثل سياسيًا في انتقاد أمريكا لوصول اليمين إلى الحكم في عدة دول أوروبية.. والمتمثل اقتصاديًا في حرب التعريفة الجمركية التي بدأها ترامب، وسيعقبها إجراءات مماثلة من دول أوروبا.. والمتمثل عسكريًا في وقف الدعم الأمريكي للناتو.
كل ذلك سيؤدي حتمًا إلى اتجاه بوصلة أوروبا إلى التعاون مع الصين وروسيا، والاستثمار في الشرق الأوسط.. وفيما يتعلق بالدعم الأوروبي لأوكرانيا، والذي تراه دول القارة العجوز حتميًا، لأنها ترى أن مصيرها على المحك في الصراع الأوكراني-الروسي بنفس القدر الذي يواجهه مصير كييف، كما وصفته المفوضية الأوروبية، فإنّه سيتم الاستعاضة عن النقص في تقديم الدعم العسكري بمزيد من العقوبات الاقتصادية على روسيا، والتي لن تكون مجدية، ولن تطيل أمد الحرب أو تجعل كفة ميزان الحرب تميل لكييف.
بوصلة العداء الأمريكي في عهد ترامب تحولت من روسيا إلى الصين، وهذا يتعارض كليًا مع التوجه الأوروبي، وسيسبب وجعًا في قلب القارة العجوز.