مقام الشغف العظيم فى محبة الأم كلنا أبناء

السيدة نوال سالم، هكذا أنطق اسمها محباً فى جملة المفتتح الأولى، أقولها ممتناً للاسم وفخوراً بالمسمى، امرأة مصرية من تلك الأمهات التى تعرف مصر أن تلدهن، وهل هناك من عجب فى أن مصر تقدم فى اللغة والصور والمخيلة امرأة، أمى إنسانة مصرية لم تفعل شيئاً خارقاً وفق قواعد صناعة التاريخ وكتابته، هى فقط تجيد فعل الأمهات المصريات عبر العصور، تربية وعملاً وكفاحاً مشتركاً مع الزوج ثم رضا وتسامحاً وجملة الحمد لله، نعم امرأة مصرية ممن يخضن مسارات الحياة فى كل ربوع مصر، لا شىء فريد فى هذا الأمر فيما يخص العالم سوى أنها بطلتى وسيدتى، ثم الأهم أنها أمى وهذا يكفى.

ابن أمى وأبى، هكذا صرت الآن أقولها بفخر عندما أتذكر كيف كان صوت بعض الأحبة والأهل يعلو ضاحكاً ليسأل، فنجيب بقوة مسرعين تأثراً بتراث شعبى ضاغط: ابن أبى، نعم أنا ابن أبى وأمى، حضورهما فى العالم الذى أرجو أن يكون طيباً، نبضهما الذى يستظل بقامة جهدهما وتعبهما فى الحياة، مرحبين ومنتظرين أملاً يورق فى الأبناء، ابن أمى وأبى، هذا أنا وتلك أواصر محبتى، مستظلاً بقول الرسول الكريم عن أول ومبتدأ المحبة: أمك ثم أمك.

كلنا أبناء أمهاتنا أو نحاول ونسعى، ابنها متشبثاً ما استطعت بطيبتها، مجاهداً فى فهم عزوفها عن الأشياء، ساعياً ما منحنى العزم أن أتسامح مستمداً من يقينها البسيط سلوكاً، عن رحابة الحياة للجميع وفى أن ما لدى الله لا ينفد، هذه هى أمى التى أعرف وأحب، ولست أدرى هل يصح القول إن ترفعها عن الأشياء هو من قبيل فيض عطاء الله للبعض فيحيا هانئاً، فطرة صارت يقيناً وزهداً أصيلاً، هو منحة الخالق فتستقر فى الفؤاد والروح وتصير طبعاً ومقام سلوك وحضور.

فى مقام الأم يحلو الوصف وتطيب الحياة -التى تصير جنة- تحت أقدامها، وتصفو الذاكرة وتزهو الأمكنة وتتعطر السيرة ويهل حلو الكلام، فى كل مكان تحضر وفى كل مشهد تطل كبعضى وروحى، حاضنة الميلاد وشريكة الفرح وباعثة الدفء طيبة الكلمات والذكر. فى مجال التفاصيل تتسع مساحة المشاهد التى تمتد مع العمر، لكن أعمقها ذاكرة القراءة الأولى وبراح تلمس الخيال فى الكتب، المجلة الأولى والكتاب الأول وجملة اقرأ الطيبة هى أمى، تعود من عملها لتجدنى منتظراً دوماً شغف المفاجأة، تلك المجلة أو الكتاب أو الصحيفة أو الأقلام الملونة فأرسم شجراً وبحيرة وزهوراً وبراحاً كبيراً وألونه معها فيصير العالم أبهى.

حلاوة طعم ذلك الطبق الصباحى الذى أتناوله عندما أعود من مشوار صحبتها، وكم كنت أحب ذلك وأسعى له، أسير معها فى طريقها لتستقل العربة التى تقل الموظفين طفلاً، فتوصى البائع فى ذلك المحل الذى على ناصية الشارع الكبير فى طريقنا، ذلك الشارع الذى يبدو خالياً فى الصباح العفى المبكر المحمل بنسمات باردة لا يشبهها فى صفاء الكون والحياة ولم يشبهها شىء، توصيه بأن يجهز ذلك الطبق الذى يمتلئ برقائق ممزوجة باللبن والزبيب، مأكولاً مصرياً جميلاً غاب، لا أنسى عودتى فرحاً، ثم وأنا ممسك بذلك الطبق الذى تتصاعد منه فى تواتر هادئ أبخرة ساخنة ترسم شكل السعادة، مستلذاً ومتمهلاً أتناوله، متابعاً سير العربات القليلة التى تمر فى الشارع الكبير، كل تلك السعادة الغامرة يا أمى لم أعرفها سوى لديك ومعك، هل يشبه تلك الأشياء الصغيرة الجميلة شىء قط.

لغتنا الجميلة فى الحادية عشرة إلا خمس دقائق مساء كل يوم، تسرع لضبط مؤشر الراديو الذى يقبع فى نهاية صالة المنزل، وتدعونى لأنصت: أنا البحر فى أحشائه الدر كامن فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتى، تتبعه جملة لغتنا الجميلة، ثم تنساب موسيقى البرنامح رائقة عذبة لتصنع مساحة مزدوجة من الخيال والبهجة والحلم معاً، ذائقة اللغة والموسيقى الأولى هى أنت يا أمى.

يطيب لى -وأنا أعرف كم تحب عبدالوهاب- أن أدخل عليها مباغتاً، ثم يعلو صوتى من بعيد مدندناً بأغنية جميلة لعبدالوهاب تحمل اسمها: يا نوال فين عيونك.. يا نوال فين يمينك تسعدى قلبى على طول الليالى، فتضحك وتنظر نحوى حانية.. فتصفو الحياة.