سامية صلاح جاهين: أعمال والدي شاهدة على قضايا الشعب وأحلامه الخالدة (حوار)
سامية صلاح جاهين: أعمال والدي شاهدة على قضايا الشعب وأحلامه الخالدة (حوار)
حوار: ياسر الشيمي
هو وجدان الوطن حين يرتجف، وصوته حين يُراد له الصمت.. خرج من عمق الناس، فعاد إليهم شعراً يُنشَد، ورسوماً تُقاوِم، وكلمات تُوقظ الذاكرة، لم يكن صلاح جاهين شاعراً ولا رساماً ولا كاتباً فحسب، بل مرآة شعب بأحلامه وخيباته، بضحكته المُرّة وسخريته اللاذعة، وحين تحتدم اللحظة، كما فى غزة الآن، تتصدّر كلماته المشهد، تُرفع على اللافتات، ويهتف بها الوجدان كأنها نُسجت فى التو.
لأنه لم يكتب عن الوطن من مسافة، بل عاشه وتنفّس آلامه، صارت قصائده ملامح من أرواحنا، تولد من جديد كلما احتاج هذا الشعب إلى من يُذكّره بصوته الأصيل، عن فنونه الشاملة وتأثيره العميق فى الوجدان، نتحدّث مع الفنانة سامية جاهين فى ذكرى رحيل والدها الـ39.
- صلاح جاهين استخدم فنونا متعددة كالشعر، الكاريكاتير والمسرح للتعبير عن القضايا الوطنية.. من خلال قراءاتك وتواصلك مع إرثه، كيف ترين تأثير هذا التنوع على وجدان الجمهور المصري عبر الأجيال؟
أرى أن صلاح جاهين ما زال حيا بحضوره الطاغي، يتجلى ذلك في أغانيه الوطنية الخالدة التي تتردد في كل المناسبات الوطنية، وفي ذكرى فاجعة بحر البقر التي تستعيدها الأجيال سنويا بألحانه، حتى في ثورة الخامس والعشرين من يناير، كانت كلماته وقود حماس الشباب في الميدان.
أما رباعياته، فقد استوطنت وجدان الشباب كلغة شعرية عامية قريبة منهم، ولا يزال الناس يستحضرون رسوماته الكاريكاتيرية، التي تعبر بصدق عن ألم المصريين وغضبهم تجاه الأحداث الجارية، وخاصة حرب الإبادة التي نراها اليوم في غزة، في تعبير مذهل عن ألم المصريين وغضبهم وحزنهم، رغم أنه رسمها منذ عقود.
لقد نجح صلاح جاهين في البقاء حاضرا بروحه وفنه، فكل وسيلة استخدمها للتعبير عن الناس والتواصل معهم ما زالت مؤثرة، وأؤمن إيمانا راسخا بأن من أحب هذا الشعب بصدق واحترمه، يخلد ذكره حتى بعد رحيله، وهذا ما حققه والدي، لأنه كان صوتهم الصادق ومعبرا عن آلامهم وقضاياهم الاجتماعية وتساؤلات شبابهم الوجودية، كما نرى في رباعياته، لهذا السبب، بقي اسمه محفورا في الذاكرة، وتتناقله الأجيال حبا وتقديرا، حتى من لم يعاصره يشعر بقربه وصدق تعبيره عنهم حين يقرأ شعره.

- رغم أنك فقدت والدك في عمر مبكر، إلا أنك نشأت وسط إرثه الإنساني والثقافي.. كيف تعرّفتِ على طريقته في الجمع بين الحس الوطني والرؤية الفنية في أعماله؟
بدأت أدرك قيمة والدي وأتعرف عليه بوعي أكبر في فترة مراهقتي، فكل ما أملكه من ذكريات مباشرة معه مجرد مشاهد طفولية جميلة، لأنه رحل وأنا في السادسة من عمري، لم أستطع حينها أن أعي مكانته الحقيقية أو أتعمق في أفكاره، ولم يكن موجودا لأطرح عليه تساؤلاتي التي تراودني.
لكن مع تقدمي في العمر، بدأت أقرأ شعره بتأمل وأتمعن في رسوماته الكاريكاتيرية، وأتتبع كيف كان يعبر عن الأحداث المختلفة، شعرت وكأنه ترك لي إجابات جاهزة لكل ما يشغل بالي، فهو بحق كان كتابا مفتوحا، يعبر بصدق ووضوح عن كل مشاعره ومواقفه في أعماله، هذه هي الطريقة التي تعرفت بها عليه وما زلت أتعرف، ففي صغري كانت هناك جوانب لم أستوعبها تماما، وعندما عدت إليها لاحقا، وجدت فيها كل الإجابات التي كنت أبحث عنها.
- الصراع الوطني كان دائم الحضور في كتابات صلاح جاهين.. من خلال ما قرأتِ أو سمعتِ عنه، هل تعتقدين أن هذا الصراع كان مرتبطا بمرحلة سياسية بعينها، أم كان جزءا من تكوينه العاطفي والفكري؟
منذ صغره، كان الوطن شغله الشاغل، كما علمت وقرأت، وخاصة من عمتي بهيجة رحمها الله، كان مهموما بالناس وكأنه يقرأ ما في دواخلهم ويسعى للتعبير عنهم، تنقله المتكرر في طفولته مع والده، الذي كان مستشارا ثم رئيس محكمة، جعله يعيش في محافظات مختلفة، جال الريف والصعيد، واختلط بالناس وحياتهم اليومية بشكل مباشر، مما أثر فيه بعمق.
أعتقد أن هذا المخزون الإنساني، بالإضافة إلى حساسيته المفرطة وعاطفته الجياشة وتأثره الشديد بالناس، وكونه فنانا، جعله يحمل هذا الشغف والصراع بداخله طوال حياته، لم يكن اهتمامه محصورا في مرحلة سياسية معينة، بل كان دائما متلاحما ومحتكا بالناس في مصر والعالم العربي، بتقلبات حياتهم من مشاكل وانتصارات وهزائم.

- في فترات شديدة الحساسية سياسيا مثل السبعينيات، كان والدك يعبر بصراحة عن آرائه.. كيف تعاطى المحيطون به مع هذا الموقف؟ وما الانطباعات التي نقلها لكِ من عرفوه عن مدى تأثيره في الناس آنذاك؟
كأي شخصية عامة، انقسم الناس بين مؤيد ومعارض لآرائه، لذا يصعب عليّ الإجابة عن الجزء الأول من سؤالك، لعدم معاصرتي له، لكن انطباعي الشخصي أنه كان دائما لسان حال الناس، فقد تأثر بشدة بالنكسة كغيره، وكان حاضرا في الأحداث والمواقف السياسية في السبعينيات من خلال رسوماته الكاريكاتيرية اليومية.
أما عن انطباعات الناس في تلك الفترة، فمن الصعب عليّ تقديم إجابة محايدة، لكنني أعتقد أنه لو نظرنا إلى الماضي، فإن استمرار أعماله وانتشار فنه حتى يومنا هذا، دليل على أن الناس ما زالوا يرون فيها تعبيرا عنهم وعن قضاياهم.
- أتشعرين أن أعماله مثل «الرباعيات» والكاريكاتير، كانت وسيلة لتحفيز وعي الناس، أم أنها كانت أيضا تعبيرا شخصيا عن قلقه من المستقبل وتفاعله مع أحداث عصره؟
أرى اختلافا جوهريا بين الرباعيات والشعر عموما من جهة، والكاريكاتير من جهة أخرى، فالشعر في جوهره ذاتي، والرباعيات في بدايتها حملت أسئلة وجودية وفلسفية عميقة، تعكس نظرة شاب يتساءل ويحاول فهم ذاته والعالم من حوله بذهول.
بالمقابل، كان الكاريكاتير وسيلة مباشرة للتعبير عن الأحداث الآنية، وربما كان يحمل قدرا من التحفيز لوعي الناس وتجسيدا لأزماتهم، فعندما واجهت البلاد أزمة في الاتصالات، تناولها يوميا بسخرية لاذعة، معبرا عن معاناة الناس، تماما كالنكتة السياسية، لذا، أعتبر الكاريكاتير جزءا أساسيا من هذه المنظومة الفنية المتكاملة.
- كثيرون يرون أن شعره كان أقرب للأغنية الشعبية من حيث الشكل، لكنه كان محملا برسائل فلسفية ووطنية عميقة.. كيف ترين هذه الثنائية بين البساطة والعمق في فنه؟
لا أرى أن شعره يقترب من طابع الأغنية الشعبية، فالكلمات التي كتبها للأغاني شيء، وشعره شيء آخر مختلف، إذ يبدو جليًّا تأثّره بالشعر الفصيح، وهو نفسه اختار شعر العامية إيمانا منه بأنه سيكون الأقرب إلى قلوب الناس، وبذكائه الفطري، كان ينتقي المفردات البسيطة والسهلة، ليتمكن من توصيل رسائله الفلسفية والوطنية العميقة إليهم بوضوح.
لقد تأثر بشدة بمن سبقه في هذا الدرب، مثل فؤاد حداد وبيرم والشيخ سيد درويش، الذي استلهم بدوره من التراث الشعبي، حتى في قصيدته الشهيرة «كلام إلى يوسف حلمي»، يتحدث عن سيد درويش بعبارات مؤثرة، واصفا فنه بأنه وتر مشدود من قلب ربابة النيل، وأن الأغاني التي كان يغنيها الحكاؤون كانت تلامس القلوب.
أشعر أن هذه الأبيات تصف الخيط الممتد منذ القرن الثالث عشر، والذي تناقله الجميع حتى وصل إلى صلاح جاهين، لقد كان مفتونا بهذه الروح الشعبية التي تتوارثها الأجيال، وكان يطمح أن يكون امتدادا لها.

- كيف ترين قدرة والدك، حتى بعد رحيله، على إلهام أجيال جديدة من الفنانين ليكونوا أكثر التصاقا بالناس وأكثر صدقا في التعبير عن قضاياهم؟
أشعر ببالغ الانبهار من فرط حضوره الطاغي، حتى أن فرقا شابة صاعدة مثل «كايروكي» والفنانة يسرا الهواري على سبيل المثال لا تزال متأثرة به، فقد تغنت له الفرقة بأغنية «الشوارع حواديت»، ولحنت يسرا إحدى أغنياته، وهناك الكثيرون غيرهم ممن يبحثون في تراثه عن أعمال لم تُلحن بعد ليعيدوا تقديمها، صلاح جاهين لم يكن لديه أدنى قدر من التصنع، بل كان يستمتع بالفن ويتنفسه على الدوام، ولذلك جاءت أعماله صادقة وواقعية، وتمتلك القدرة على تجاوز حاجز الزمن والاستمرار حتى يومنا هذا.
- من خلال أرشيفه وذكريات من عاصروه، كيف كان ينظر إلى فكرة الحرية الفكرية؟ وهل كان يرى أن للفن وظيفة اجتماعية تتجاوز الجمال الشكلي؟
هو كان يعتبر الفن «لعبة»، وهو لديه لا يحمل مباشرة، على الرغم مما قد يتضمنه من رسائل، ولديه رسم كاريكاتيري شهير لطفلة صغيرة تمسك بكتاب وتقف أمام مدرستها، وهي تقول: «مش عاجباني القصة دي فيها مغزى تربوي!»، وذلك لعلمه بأن الأطفال ينجذبون أكثر إلى الفن الحقيقي، وأن الصدق الفني الحقيقي يكمن في التعبير غير المباشر بهذا الشكل.
- أتعتقدين أن صلاح جاهين كان يعتبر الفن أداة لتوثيق نبض الشارع والتاريخ، أم يرى فيه مساحة شخصية للتأمل والتعبير الوجودي؟
كان يجمع بين الأمرين، ففي خضم الأحداث العامة التي تمس قلوب عامة الناس، كانت تلامس وجدانه هو أيضا، وتستثير لديه طاقات إبداعية تدفعه للتعبير عنهم والتواصل معهم، وفي أحيان أخرى، لا سيما في مجال الشعر لكونه فنا ذاتيا للغاية، كانت تتوفر مساحة شخصية للتأمل والتعبير الوجودي، ما يفضي إلى إفراز طبيعي وانعكاس لحالته الشخصية.
- من خلال ما تعرفينه.. أترين أنه كان له دور مباشر في تحفيز فنانين آخرين على استخدام أدواتهم الفنية في نقد السياسات الاجتماعية؟
لم أصادف فنانا عاصر صلاح جاهين إلا وكانت تربطه به حكاية ما، كان دائما ما يحفزهم على استخدام أدواتهم الفنية على وجه العموم، منزله مفتوحا للجميع على الدوام، يشجعهم ويحفزهم باستمرار على كل الأصعدة التي كان يتقنها، حتى الممثلون الذين كان يلتقيهم، كانوا يستشيرونه دائما في أعمالهم، وكان دائم الاحتواء لهم، مثل أحمد زكي وسعاد حسني.
كما أن دفعة والدتي في معهد الفنون المسرحية، ومن بينهم عهدي صادق رحمه الله، كان دائم الحديث عن تعلمه من والدي في هذا الجانب، ولعل ذلك لأنه كان الأقرب إليه في تلك المرحلة، وهناك أيضا أسماء أخرى كثيرة أخشى أن أنسى أحدا منهم، كان بيته مفتوحا لهم دائما، مثل صبري عبد المنعم، مصطفى متولي، شوقي شامخ، ومحمد متولي، وغيرهم.

- قال الشاعر عبد الرحمن الأبنودي إن تأثير صلاح جاهين كان أقوى من تأثير خطب عبد الناصر، لأنه كان الأقدر على تحويل الخطاب السياسي إلى إحساس شعبي يصل للناس في مصر والوطن العربي.. في رأيك، ما الذي مكنه من هذا التأثير الواسع؟ وهل كان السر في لغته، أم في قدرته على تحويل الشعارات إلى مشاعر؟
أرى أن هذا الوصف ينطوي على قدر من المبالغة نابع من محبة وتقدير عميقين، لا شك أن تأثير عبد الناصر كان بالغا، في مصر والعالم العربي على السواء، أما صلاح جاهين، فمنذ أن كتب «الليلة الكبيرة» وهو لا يزال شابا في مقتبل العمر، بعد أن استقر في القاهرة إثر صدمة كبيرة خلّفها انتقاله إلى العاصمة، اتجه إلى رصد الأوجاع والأوضاع العامة وتحويلها إلى فن، لذا جاء تأثيره بالغا، شأنه في ذلك شأن كبار الفنانين الذين يخاطبون جمهورهم بصدق ويعبرون عنهم بعمق، ولهذا السبب تحديدا صدقه الناس وأحبوه.
- كابنة لصلاح جاهين، كيف أثّر حضور اسمه وإرثه في تكوينك الفني والثقافي، خاصة أنك تعرفت عليه من خلال ما تركه لا من خلال العيش الطويل معه؟
أثره في تكويني الفني والثقافي عميق وبالغ، كوني ابنة صلاح جاهين مسؤولية كبيرة أحملها منذ الطفولة، خاصة وأن محبة الناس له، وتفاعلهم الدائم معي بترديد أشعاره أمامي، منحتني حافزا قويا وشعورا دائما بالتحدي، كان لزاما عليّ أن أذاكر وأتعمق باستمرار، وهو ما أواصل فعله حتى اليوم، لأكون على قدر تلك المسؤولية.
صلاح جاهين حاضر في حياتي طوال الوقت، أراه معي دائما، وأعدّه البوصلة التي توجهني، كثير مما استندت إليه في عملي بالحكي والغناء، كان من أشعاره وأشعار فؤاد حداد، وبهاء جاهين، وأمين حداد.
ولا أنسى جملة كتبها في فيلم «خلي بالك من زوزو»، عبرت عن أهمية أداء الفنان بحماس: «لما الفنان يتكلم بحماس، الجمهور لازم يستقبله بحماس»، هذه الجملة ما زالت تلهمني حتى الآن.
- الكثيرون يرون أنك تحملين إرث والدك بطريقتك الخاصة، سواء عبر نشاطك الثقافي أو مساهمتك في فرقة «إسكندريلا».. كيف تتعاملين مع هذه العلاقة المعقدة بين الحنين والمسؤولية؟
أشعر دوما بالفخر لكوني ابنته، وأنني أحمل اسمه، لكن ذلك في الوقت ذاته سلاح ذو حدين، فالأمر يضع على كاهلي مسؤولية وضغطا كبيرا، لأنني دائما أضع نصب عيني أن يكون كل ما أقدمه أو أشارك فيه على مستوى يليق بي، ويرضيه هو على وجه الخصوص، ويجعله فخورا بما أفعل.
لهذا، أعتقد أن العلاقة بيني وبين هذا الإرث لا تقوم على الحنين، بقدر ما هي علاقة شديدة التعقيد، تمزج بين شعور عميق بالفخر وإحساس دائم بالمسؤولية.
- من خلال خبرتك الطويلة في العمل الثقافي، كيف ترين تطور دور الفن في المجتمع؟ وهل ما زال قادرا على إحداث الأثر نفسه الذي أحدثه جيل والدك؟
دور الفن في المجتمع لا يشترط أن يكون مباشرا، لكن إذا عدنا إلى جيل صلاح جاهين، وربما إلى ما قبله بقليل، سنجد عظماء في مختلف المجالات، في الصحافة مثلا، كثير ممن برزوا لم يكونوا مجرد صحفيين، بل أدباء حقيقيون.
والأمر نفسه ينطبق على السينما والمسرح وغيرها من الفنون، كانت هناك قامات بارزة في كل مجال، وكان ثمة تآزر واضح بينهم، بالإضافة إلى اهتمام حقيقي بالثقافة، لا سيما في المدارس.
أما اليوم، ومع انتشار المدارس الأجنبية، نشهد فجوة ثقافية متزايدة. لقد تغيرت أشياء كثيرة، وأسهم هذا التغير في قدر كبير من التفكك.
أما عن العلاقة بين الفن والمجتمع، وتأثير كل منهما في الآخر، فذاك سؤال أبدي، وبرأيي، كلاهما يتأثر بالآخر، الأهم أن تترك مساحة حقيقية لحرية الإبداع والتبادل الثقافي، لأن الفن حين يوجه أو يُملى عليه ما يقول ويفعل، يفقد قدرته على البقاء والحياة.
- من أحمد حلمي الذي حول الصحافة إلى منصة للمقاومة الثقافية في وجه الاستعمار، إلى صلاح جاهين الذي أطلق الشعر والكاريكاتير صوتا للناس، ثم إلى بهاء جاهين في القصيدة، وسامية جاهين في الفن والمسرح.. كيف ترين هذا الامتداد العميق لفكرة «الفن المقاوم» داخل العائلة، وهل تشعرين أن هذا الإرث يمثل مسؤولية أم إلهاما متجددا؟

هي مسؤولية كبيرة، دون شك، لكنها في الوقت نفسه مصدر إلهام دائم ومتجدد، يؤلمني كثيرا ما يوجه من ظلم لأبناء الفنانين أو الأطباء وغيرهم، كأن الاتهام بالتحيز أو «الواسطة» هو التفسير الوحيد لوجودهم في نفس المجال، بينما الحقيقة أن أبناء الحرفيين في الماضي، من أصحاب المهن كصناعة الخشب أو الصاغة أو المشغولات الدقيقة التي تندثر اليوم، كانوا يتعلمون الصنعة من آبائهم بشكل طبيعي، وهذا ينطبق على كل مهنة، فمن الطبيعي أن يتأثر الابن بمحيطه إذا نشأ في بيت يقدّر مهنة معينة، ويرى فيها شغفا وحبا.
كثيرا ما يقال إن دخول أبناء الفنانين إلى المجال هو بفعل المحاباة، لكن في كثير من الحالات يكون الأمر نابعا من تأثير حقيقي وصادق، أنا، مثلا، نشأت وسط أجواء فنية وثقافية تحيط بي باستمرار، أحببت الشعر والمسرح والغناء، ولم يكن ذلك فقط لأن والدي هو صلاح جاهين، بل لأن والدتي أيضا كانت تعشق الغناء والتمثيل، خصوصا المسرحي منه، ما زلت أذكر جيدا وأنا طفلة حين كانت تشارك في مسرحية «الست هدى» على المسرح القومي، وكيف كنت أتابعها بانبهار وأقول لنفسي: «أنا عايزة أعمل كده».
وبعيدا عن تأثير والدي ووالدتي، وبهاء جاهين وأمين حداد، فقد كان للفنان الراحل عهدي صادق – الذي أعده أبي الروحي – تأثير عميق في تكويني، فقد كنت أرى في عينيه بريقا خاصا حين يمثل، وكان ذلك يلهمني بشدة.
صلاح جاهين ترك أثرا بالغا في كل من اقترب منه، هناك عدد لا يحصى من المواقف والشهادات لفنانين وصحفيين وكتّاب تأثروا به، بل إن بعضهم قرر دخول كلية الفنون الجميلة فقط تأثرا بفنه وشخصه، هذا الأثر الصادق لا يصنعه إلا فنان كبير.