رفعت رشاد يكتب: النهم الأمريكي للحرب
رفعت رشاد يكتب: النهم الأمريكي للحرب
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تسير أمريكا على نهج لا يحيد عن إشعال الحروب أو إذكاء نيرانها حيثما وُجدت. وكأن الحرب وقودها الأبدي، ودماء الأبرياء على أطراف الأرض هي الزيت الذي يُدير عجلة اقتصادها الجشع. تحوّلت الحرب من وسيلة اضطرارية للدفاع، إلى مشروع اقتصادي ضخم تديره شركات عملاقة، تتحكم في السياسات، وتوجّه الإعلام، وتختار أحيانًا من يُحكم ومن يُسحق.
صارت الحرب صناعة مربحة، في قلب «وول ستريت» تتسابق الشركات الأمريكية الكبرى، وعلى رأسها شركات السلاح مثل «لوكهيد مارتن» و«رايثيون» و«نورثروب غرومان» لإشعال الحروب، لا تنظر إلى الحروب ككوارث إنسانية، بل كفرص تجارية. كل صاروخ يُطلق، وكل دبابة تُصنّع، وكل طائرة تُباع، تعني أرباحًا بالمليارات. وهنا تكمن المعادلة القاتلة: لكي تستمر هذه الأرباح، لا بد أن تستمر الحروب. وعليه، يصبح إشعال النزاعات أمرًا مُبرمجًا لا عشوائيًا.
وفقًا لتقارير معاهد السلم الدولية، تحتل أمريكا المرتبة الأولى عالميًا في تصدير السلاح، بحصة تتجاوز 40% من السوق العالمية. هذه المكانة لم تأتِ من فراغ، بل من سلسلة لا تنتهي من النزاعات التي إما صنعتها، أو غذّتها أمريكا لتُبقي على زبائنها الدائمين في الشرق الأوسط، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وحتى أوروبا الشرقية مؤخرًا.
أمريكا لا تُحارب فحسب، بل تُبرمج العدو أي تخلقه، وهذه واحدة من أخطر أدوات القوة الأمريكية، قدرتها على «تحديد العدو» حسب المرحلة. ففي لحظة، يتحول نظام كان حليفًا بالأمس إلى «طاغية يجب إسقاطه» اليوم. من صدام حسين إلى القذافي، ومن طالبان إلى الحوثيين، كلها نماذج لاختيارات أمريكية تُسوّق للعالم عبر إعلامها، لتبرير الحروب باسم «الديمقراطية» أو «حقوق الإنسان»، بينما الحقيقة أن الهدف الحقيقي هو الموارد والنفوذ.
الدول الصغيرة والهشة الضحية الأبرز لهذا الجنون العسكري. شعوب تُشرد، وأطفال يُقتلون، وبنى تحتية تُدمر، وثروات تُنهب، وكل ذلك يجري تحت عنوان "التحرير" أو "مكافحة الإرهاب". العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، وأفغانستان.. شواهد حية على استراتيجيات الخراب الممنهج. وحين تنتهي الحرب، تترك أمريكا خلفها دولًا مدمرة، وتبدأ شركات الإعمار بإعادة البناء، مقابل صفقات جديدة.
لا تُشعل أمريكا الحروب فقط، بل تُبدع في تسويقها. تمتلك ماكينة إعلامية ضخمة تبرر القتل، وتُجمّل الغزو، وتُشيطن الخصوم. شبكة «سي إن إن»، و«فوكس نيوز»، ومئات المراكز البحثية، تخلق سرديات تجعل من الحرب عملًا بطوليًا، وتُطمس الحقيقة خلف صور مُنتقاة بعناية، وتصريحات مُفخخة بالإنسانية الكاذبة.
المدهش في الخطاب الأمريكي أنه يُصرّ على تقديم نفسه كحامل لواء الديمقراطية في العالم. لكن، ما الفرق بين من يقتل باسم الدين، ومن يقتل باسم الحرية؟ كلاهما يُسفك الدماء، ويبرر القتل، ويُدمر أوطانًا لتحقيق أهدافه. أمريكا لم تُنقذ شعبًا قط، بل حرّكت جيوشها حين كانت مصالحها في خطر، ثم انسحبت حين ضمنت الحصة الأكبر من الكعكة.
آخر الأمثلة، الحرب في أوكرانيا، والتي كان لأمريكا دور رئيسي في تفجيرها عبر توسيع حلف الناتو ودفع روسيا إلى الحافة. وما أن اشتعلت الحرب، حتى تحولت أوكرانيا إلى سوق ضخمة للسلاح الأمريكي، بمليارات الدولارات، وفتحت شهية واشنطن لتجريب أسلحتها الجديدة في ميدان قتال حي. لا يعنيها مستقبل كييف بقدر ما يعنيها استمرار المعركة.
لكن الاستقرار العالمي لا يُناسب من بنى اقتصاده على الفوضى. لذلك، تجد أمريكا دومًا في سعي مستمر لإبقاء التوتر قائمًا، والحرب مشتعلة، أو على الأقل «محتملة». من بحر الصين، إلى الخليج، إلى أفريقيا، دائمًا هناك بؤرة يُعاد إشعالها لتبقى عجلة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي دائرة بلا توقف.
إن مقاومة هذا النهم تكون بالوعي. وعي الشعوب، واستقلال القرار، وتحصين الإعلام من التضليل. لابد للعالم أن يدرك أن أمريكا ليست راعيًا للسلام، بل تاجرة حرب نهمة، تتخفى خلف شعارات براقة، وتمضي بخطى ثابتة نحو عالم لا مكان فيه إلا للقوة والربح. والعلاج يبدأ من فضح هذه السياسات، والضغط الدولي للحد من تغوّلها، لأن أمن العالم ليس مشروعًا تجاريًا.. بل حقٌ إنسانيٌ أصيل.