القس د. أندريه زكى يكتب: القيامة وصناعة السلام

كتب: أحمد فكري

القس د. أندريه زكى يكتب: القيامة وصناعة السلام

القس د. أندريه زكى يكتب: القيامة وصناعة السلام

فى صباح يوم الأحد كانت قيامة المسيح إعلاناً جديداً عن رؤية الله تجاه البشر: الحياة، لا الموت. الرجاء، لا اليأس. المصالحة، لا القطيعة. وفى عالمنا المعاصر، الذى يئنُّ تحت وطأة الحروب، الصراعات، الانقسامات الدينية والفكرية والسياسية، يحتاج العالم لصانعى السلام.

نشهد فى عصرنا الراهن تزايد الحواجز بين البشر، بين الدول وبعضها، وفى داخل المجتمع الواحد وحتى بين أفراد الأسرة الواحدة؛ فالخلافات لا تهدأ، وتُبنَى جدران من الكراهية والخوف، وصراعات تزدرى حياة الإنسان وحقه فى العيش آمناً وسالماً. وسط هذا المشهد، تطمئننا القيامة بالأمل فى تجديد كل شىء، بأن الكراهية لا تنتصر فى النهاية.

فى العصر الذى عاش فيه المسيح كان الرومان يسيطرون على كل العالم القديم. وساد فى العالَم نوع من السلام منذ بداية عهد أغسطس قيصر، حتى إن بعض النقوش الأثرية تصفه بأنه الزعيم الذى أرسلَتْه العناية الإلهيّة. إذ وضع حداً للحرب وأسَّس السلام. وقد بنى هذا السلام على أربعة أُسس: أساس عسكرى يتحقّق فى ميادين المعركة، ويعتمد على قوة الرومان العسكريّة التى بلا منازع. وأساس اقتصادى حيث تزدهر الفنون والحِرَف، وتتطوّر الزراعة، وتنمو التجارة والتبادلات، وتُبنى المدن الجديدة. وأساس قانونى وثقافى؛ حيث يسود القانون، وتنتشر طريقة الحياة الرومانيّة الحضريّة فى كلِّ أنحاء الإمبراطوريّة. وأساس دينى؛ بمحاولة إيجاد ديانة موحدة، وكان أغسطس أوَّل مَنْ دعا نفسه ابن الله.

فى كل هذه المحاور يُبنَى السلام الرومانى على «غياب الصراع». لكن السيد المسيح، رئيس السلام، قدّم نوعاً آخر ومفهوماً آخر للسلام عندما يقول يسوع لتلاميذه: سلاَماً أَتْرُكُ لَكُمْ. فإنّه يحرص على أن يحدِّد: لَيْسَ كَمَا يُعْطِى الْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. سلام يسوع ينتمى إلى السلام الذى يعنيه الكتاب المقدّس.

أول خطوةٍ نحو السلام الحقيقىِّ تبدأ من الداخل؛ فكثيرٌ من الانقسام حولنا نابعٌ من انقسامات داخلية بين ما نؤمن به وما نعيشه، بين ماضٍ لم نتصالح معه وحاضرٍ نحاول أن نحيا فيه. القيامة تعنى أن الإنسان يمكن أن يقوم من ماضيه، فيتحوّل من شخص جريح إلى شخص يُجبر الجراح. والسلام مع الذات هو الأساس لكلِّ سلامٍ آخر. المسيح القائم لم يوبّخ التلاميذ الذين هربوا، بل قال لهم: «سلام لكم». كم نحتاج أن نسمع هذه الكلمات نحن أيضاً، كل يوم!

كثيرون يخلطون بين السلام والمسالمة، بين الغفران والسكوت عن الظلم. لكن قيامة المسيح تعلن أن الله ليس محايداً أمام الألم والعنف، بل يُقيم المسحوقين، ويرفع المنكسرين، ويعلن أن الكلمة الأخيرة ليست للطغيان بل للحياة، ليست للعنف بل للسلام. والسلام المنشود لا يعنى غياب الحرب فقط، بل حضور العدل، وشفاء القلوب، وتجديد المجتمعات. القيامة نموذج إلهى يفتح الأفق للمصالحة والعيش المشترك، لا تُقصى أحداً، بل تُرحّب بالجميع. كم من حواجز تُبنى بين البشر تحت مسميات كثيرةٍ، وكم يحتاج عالمنا لمن يكسر الحواجز. نحن مدعوون أن نكون جسراً، لا حاجزاً. أن نبحث عمّا يوحّد لا ما يفرّق. أن نصنع السلام لا أن نشيع الكراهية.

كثيرون ينتظرون السلام وكأنه سيأتى من الخارج، من جهة حاكمة، أو ظروف مريحة. لكن القيامة تغيّر هذا المنطق؛ تدعونا لنكون نحن صانعى السلام؛ أن نغفر حيث يسود الحقد، وأن نحب حين تشيع الكراهية، أن نمدّ اليد بدلاً من رفع الحاجز. وأن يكون الإنسان مؤمناً بالقيامة يعنى أن تؤمن بإمكانية تغيير الواقع. أن ترى فى عدوك أخاً، وفى الجرح فرصة شفاء، وفى العالم المنقسم حقلاً جديداً لبناء الرجاء.

نصلى أن تُنير قيامة المسيح دروبنا، فيتحرر العالم من دوائر العنف، والخوف. نصلى لأجل منطقتنا، التى تعانى بعض دولها من نيران العنف والقتل والتخريب، ليسود السلام المبنى على العدل والمحبة والحق. نصلى لأجل بلادنا -وهى بحق صانعة للسلام فى وسط ساحات الحرب المتعددة والمحيطة بها- أن يحفظها الله ويحفظ قيادتها وسلامها وأمنها وشعبها المحب للسلام.

* رئيس الطائفة الإنجيلية


مواضيع متعلقة