رفعت رشاد يكتب: قتل كلب طنطا.. وصمة مجتمعية
رفعت رشاد يكتب: قتل كلب طنطا.. وصمة مجتمعية
ثبتت بصري على صورة الكلب الذي راح ضحية قاتليه في طنطا، فلم أتحمل نظرته التي حملت تساؤلات عن جرمه الذي ارتكبه، وربما لا يكون هو نفس الكلب الذي قيل أنه عض اطفالا.
بالطبع نرفض إيذاء أطفالنا، لكن هناك وسائل طبية وبيطرية لمعالجة مثل هذه الأمور يعرفها الأطباء، لكن يبدو أن ما يسمى طبيبا اتخذ قراره ولم يفكر للحظة في الرحمة وحقن الكلب بحقنة مليئة بسم ممنوع التعامل به دوليا، سم يؤلم أشد الألم لمن يتعاطاه وشاهدنا الكلب في أشد حلات الألم حتى فاضت روحه بدون أي إمكانية لأن يدافع عن نفسه، فهو لا يتكلم ولا يوكل أحدا للكلام عنه والدفاع عنه.
كان المشهد في منتهى القسوة ولا يليق بأناس يدعون الرحمة ويدينون بدين يدعو إلى الرحمة، لقد سجل المشهد المؤلم في التاريخ أن القسوة غلبتنا وغلبت على طباعنا في مواجهة حيوان ضعيف لو كان مسعورا لما استطاع أحد الإمساك به، ولخاف منه مطاردوه.
في قرية محلة مرحوم التابعة لمركز طنطا في محافظة الغربية، لم تكن الجريمة التي ارتُكبت بحق كلب أعزل مجرد واقعة عابرة يمكن نسيانها مع مرور الأيام، بل كانت صفعة مدوّية على وجه الإنسانية، وجريمة مكتملة الأركان تستوجب المحاسبة.
كلب أليف، كان يسكن بيتًا، قبل أن يُلقى به في الشارع كغيره من ضحايا الغدر البشري، لم يكن مشردًا بطبعه، بل مشردًا بفعل فاعل.. صاحبه الجبان الذي تخلّى عنه بلا رحمة.
لكنّ الجريمة لم تقف عند هذا الحد، بل جاءت النهاية أكثر فظاعة، حين قرر مدير الطب البيطري بالغربية، الدكتور حمدي حجاج، النزول بنفسه إلى موقع البلاغ، لا ليُفحص الحيوان، ولا ليبحث عن حل إنساني، بل ليُنهي حياته بحقنة محرّمة دوليًا، تدعى الاستركنين، وهو عقار لا يُستخدم إلا في الجرائم، لا في الطب.
هذه الحقنة تُحدث تشنجات عنيفة، وتشلّ الجسد تدريجيًا، وتغرق الضحية في ألم لا يُطاق حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة.. وهو ما ظهر جليًا في مقاطع الفيديو التي وثقها الأهالي، والتي انتشرت كالنار في الهشيم على وسائل التواصل.
أُعدم الكلب في الشارع، أمام أعين الناس، في مشهد لا يليق بدولة تحترم حق الحياة وتدعو للإنسانية، ولا بمجتمعٍ يرفع شعار «الرحمة فوق العدل».
لم يُعرض الكلب على لجنة بيطرية، لم يُفحص لمعرفة إن كان مصابًا بالسعار، لم يُسأل عن تاريخه أو حالته أو حتى إن كان مملوكًا لأحد. لم تُطبَّق بروتوكولات التعامل المعروفة مع الحيوانات الضالة، لم يُخطر أحد من جمعيات الرفق بالحيوان، بل كان التنفيذ ميدانيًا.. وعنيفًا.
من منح الطبيب هذا الحق؟ من سمح له أن يتحول من طبيب بيطري إلى منفذ أحكام بالإعدام؟ ومن
فوقه، من أعطى التعليمات؟ المسؤولية لا تتوقف عند الدكتور حمدي، بل تمتد إلى وكيل وزارة الطب البيطري بالغربية، الدكتور عادل عبد العزيز، الذي يشرف على مثل هذه التحركات. وتلك ليست أول حادثة تُنسب للدكتور حمدي في هذا السياق.
القانون المصري – لمن ينسى – لا يصمت حيال هذا، فقانون العقوبات يجرّم إيذاء أو قتل الحيوان الأليف، وتصل العقوبة إلى سنتين سجنًا، فهل سنشهد تطبيق القانون؟ أم أن صوت الحيوان، لأنه لا يتكلم، سيُدفن معه؟
ما حدث في طنطا لم يكن حادثًا عاديًا، بل جريمة قتل مع سبق الإصرار والترصد. عقار «الاستركنين» نفسه محظور رسميًا منذ أكثر من عامين، بموجب قرارات الهيئة العامة للخدمات البيطرية.
فكيف يتم استخدامه؟ ومن المسؤول عن وجوده في متناول الأطباء؟ وكيف يجرؤ طبيب على استخدامه بهذه الطريقة؟
والأدهى، أن الطبيب ذاته، بعد انتشار الواقعة، زعم أن الأهالي طلبوا منه حقنة "مسكنة" للكلب، وأن ما حدث كان غير مقصود.
فهل الطبيب البيطري أصبح يحمل الحقن ويُحقن بها الحيوانات في الشارع بمزاج الأهالي؟ وهل يُعقل أن تكون «الحقنة المسكنة» بهذه القسوة والوحشية؟ الفيصل هنا، كما طالب كثيرون، هو تحليل عينة من مخ الكلب لمعرفة نوع المادة التي حُقن بها، وهل كان حاملًا للسعار فعلًا، أم أنه ذهب ضحية للخوف والجهل والتسرع.
هذه ليست قضية كلب إنها قضية ضمير، وصوت من لا صوت له، الكلب المسكين الذي مات متألمًا كان ينتظر لمسة حنان، لا وخزة سم.
كان ينتظر أحدًا يطبطب عليه، لا من يوثق جسده ويراقب موته، نظرة الرعب في عينيه قبل أن تُطفأ، يجب أن تبقى محفورة في وجداننا، لا أن تُمحى مع صخب الحياة.
لا نريد أن نتحوّل إلى مجتمع يتعاطى مع الألم كخبر عابر، ويمر على الدم وكأنه ماء، لا نريد أن نصمت ونُدرب قلوبنا على القسوة، نحن في دولة قانون، ويجب أن يُحاسب كل من تجرأ على قتل مخلوق بريء خارج إطار العدالة والرحمة.
نطالب النائب العام، ووزارة الزراعة، وهيئة الخدمات البيطرية، بفتح تحقيق فوري في الواقعة، واستدعاء كل من له يد في هذه الجريمة، بدءًا من الطبيب المنفذ إلى من أمره أو تستّر عليه.
صوت الكلب الذي لم يُسمع، يجب أن نرفعه نحن، باسم الإنسانية. لأجل الرحمة… لأجل العدالة… لأجل ألا يتحوّل الصمت إلى شراكة في الجريمة.