د. محمود خليل يكتب: فتنة الأيام
د. محمود خليل يكتب: فتنة الأيام
لا يوجد جيل راضٍ عن زمانه. بل كل جيل غاضب على أيامه، وأحياناً ما يكون لاعناً لها، فى الوقت الذى يتباكى فيه على زمان وليالى زمان. ينقل «ابن عبدربه» فى «العقد الفريد»: «قالت الحكماء: جُبِل الناس على ذم زمانهم وقلة الرضا عن أهل عصرهم.. فمنهم من قال: رضا الناس غاية لا تدرك.. وقولهم: لا سلام من ألسنة العامة.. وقولهم: الناس يُعيِّرون ولا يغفرون.. والله يغفر ولا يُعَيِّر».
حين ينظر الناس إلى الماضى يُمجِّدونه ويمنحونه قيمة أعلى من عصرهم، ويرون أن الماضى ذهب بكل ما هو حسن وترك لهم كل ما هو ردىء. وسلبية موقف الناس من الزمان الذى يعيشون فيه مرده عدة أسباب لخّصها مسلم بن يزيد بن وهب فى قوله: «أما الزمان فيرفع أقواماً ويضع أقواماً، وكلهم يذم زمانه، لأنه يبلى جديدهم، ويفرّق عديدهم، ويُهرِم صغيرهم، ويُهلِك كبيرهم».
فتقلُّب الزمان وتداول الأيام يرفع أقواماً ويُهبط بأقوام. فحين تمضى الأيام يتوارى أشخاص كانوا بالأمس نجوماً متألقة جالسين فى الصفوف الأولى على مسارح الحياة، ويبرز نجوم جدد ويتصدر المشاهد آخرون. والعجيب أن من توارت عنهم أضواء الحياة ومن لمعت فوق وجوههم يتشاركان فى ذم الزمان. فالنخبة التى يدهسها الزمن ويواريها ويطمس معالم وجودها تشعر بالحزن فتلعن الأيام التى هزمتها وألقت بها إلى الظل، والنجوم الجديدة اللامعة تلعن الأيام هى الأخرى، لأنها ترى أنه أعطى نجوم الزمن الماضى أكثر مما أعطاها. إنه المعنى الذى لخصه أبوالعلاء المعرى فى شعره القائل: «كل من ألقى يشكو الدهر.. ليت شعرى الدنيا لمن؟».
هكذا الأيام تمضى فتجعل الجديد قديماً بالياً، وتُفرّق بين البشر، فيختفى أفراد المجموع فرداً فرداً حتى يتواروا جميعاً عن الدنيا، ويشيخ الصغير، ويموت الكبير، ليعاد تشكيل خريطة الحياة البشرية من جديد، وكل جيل يأتى يرثى لحاله ويلعن زمانه، ويحسد الجيل الذى سبقه، رغم أن السابقين كانوا يلعنون زمانهم فى عصرهم.
وحقيقة الأمر أن الزمان هو الزمان والأيام هى الأيام وما يتغير هو البشر، وما يفسد هو الأجواء التى تحيط بهم، فالأصل هو عمل البشر، وليس الأيام التى يعيشون فى ظلها، فالزمن ثابت والبشر هم المتجددون، وقد كان الشاعر يقول: «نعيب زماننا والعيب فينا.. وليس لدهرنا عيب سوانا». فالمسألة فى الناس وليست فى الوقت. وقد نقل «ابن عبدربه» قول أبا مياس الشاعر: «إنما الزمان وعاء، وما ألقى فيه من خير أو شر كان على حاله».
الناس قد تنكر شخصاً أو فكرة معينة فى عصر معين، حتى إذا مر الزمان وتوالت الأيام وهلك الشخص وانطوى زمان الفكرة، إذا بالجيل الجديد يحتفى بهذا الشخص ويمجده، وإذا بالبشر الجدد يحتفون بالفكرة التى كانت مرفوضة بالأمس ويرضون بها. إنها الفكرة التى تستطيع أن تستخلصها من الآية الكريمة التى تقول: «وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِى شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا».
إنها فتنة الأيام.