أيهاب "الصابر" الموت؟

كتب: روان مسعد

أيهاب "الصابر" الموت؟

أيهاب "الصابر" الموت؟

كتبت - روان مسعد

هل يمكن أن تحصى الدعوات التي رُفعت على مدار أيام طالبة الشفاء العاجل لإيهاب؟ تحصى الدموع التي انهمرت ألماً ووجعاً؟ وجهه كان طيفنا طوال أيام مرضه القليلة «ربنا يشفيك يا إيهاب، هتقوم منها يا بوب بألف سلامة»، رغم معضلة المسألة كنا متسلحين بالأمل وبالله، نقف للموت بالمرصاد، لا تأت لإيهاب أرجوك!، فهذا هو الأطيب والأنقى، وصاحب القلب الذهبي بيننا!، كما أنه زوج وأب لطفلين، ولكنه المرض الذي يشتبك في معارك حينما يأتيها بغتة يكسبها دون هوادة.

إيهاب صابر

حين يخطف الموت أحد المقربين منك ترتبك، تهتز الأرض بين قدميك، كرسيه المفضل، حقيبته، طلته عند قدومه، تغرق في تفاصيل لم تكن مهمة من قبل، وربما تتجنب الذهاب لمكان جمعكما سويا رغم القرب ورغم المحبة، إيهاب صابر لم يكن مجرد زميل يمكن أن تلتقيه يوميا وتفترقا في دروب الحياة، فهو يأت ببصمته المتفردة التي لا تخطئها من اللقاء الأول، ولهذا كان الزلزال الذي ضرب الصحافة المصرية أمس بإعلان وفاة زميل شاب هو إيهاب صابر نائب مدير تحرير جريدة الوطن، فهو ليس بشهير كما أنه ليس بمناضل، هو فقط شخص لمس قلوبنا جميعا.

جاء إيهاب صابر من أقصى الجنوب وتحديدا من مدينة الطيبين «النوبة»، عمل لدى جريدة الوطن قبل 11 عاما، وقبلها تنقل بين دروب الصحافة في مؤسسات زميلة من بينها البديل، والوادي، والبداية، جاء «بوب»، إلى بيته «الوطن» كما نلقبه جميعاً بابتسامة وهدوء شديدين، لم يكن محررا بل جاء مديرا لصالة التحرير، هذا المكان شديد الحساسية والتعقيد في العمل، فكل من مر على موقع إخباري إلكتروني يعرف معنى أن تكون «على رأس الترابيزة»، كثيرون يتأثرون بها ولا تتأثر بهم، وحده إيهاب كسر القاعدة، طوع كرسيه ليكون مثله «طيب»، رغم وجوده في عرين الأسود الذين يديرون العمل بكل جدية وصرامة، كان له وحده أثر الفراشة.

إيهاب صابر

38 عاماً بالطبع ليست كافية ليترك إيهاب صالة التحرير فارغة من روحه الجنوبية المرحة، بالإضافة إلى مهنيته الشديدة، وتفانيه في العمل، وبراءة يديه من أي خطأ تحريري أو مهني، فهو لم يكن صاحب صوت جهوري يخيف كل من يأتي إليه، كما أنه ليس بـ«مايع» يمكنك التحكم فيه! له شخصيته ورؤيته التي ينفذها بهدوء بغض النظر عما يتعرض له من ضغوطات بحكم عمله، كان دائم التعلم، لم يكتف بأنه يدير صالة تحرير ضخمة مثل «الوطن»، بل كان يبحث عن الدورات التدريبية، ويفتش خلف صحافة البيانات والذكاء الاصطناعي، كان دائم التجدد، والداعم الأول لكل من يعرفه، إيهاب هو من يأت في الصباح بابتسامة متفائلة حقا من القلب وليست مفتعلة، يوزع علينا جميعا السلامات، زملاء قدامى، أو متدربين حديثي التخرج.

إيهاب صابر

عمره لم يكن طويلاً ولكن عقيدته كانت الصبر على مطبات الحياة، ثم الصبر على ضغوط الأحلام، لم يهب الموت يوماً فكان آخر ما كتبه «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.. الله غالب».

إذا ما صادفك إيهاب عبوس الوجه اقترح عليك أن تكف عن العمل، وربما أن «تفكها شوية كله بيعدي»، كل فرد في جريدة «الوطن» وخارجها له ذكرى لا تنسى مع إيهاب، دردشة وسخرية من موقف ما، عزومة على القهوة، «تجميعة فطار من عند أم عبير»، شكوى من ضغط العمل، إيهاب لم يكن مجرد زميل، كان إيهاب واحد منا، يشبهنا، إيهاب ظل كما هو آتيا من الجنوب طاهراً لم يلوثه غبار المدينة، جاء هادئا طيبا متفائلا، ورحل بنفس هدوءه، في آخر لقاء بيننا لم يكن قادرا على الوقوف، ربما استنزفت روحه النقية عند هذا الحد، وقد حان وقت الدعاء أن يتقبله الله قبول حسن كما كان يعاملنا جميعا معاملة حسنة.