عمار علي حسن يكتب: سيرة رجل حر طموح (1)
عمار علي حسن يكتب: سيرة رجل حر طموح (1)
أرسل لى الدكتور أيمن تعيلب، الناقد وأستاذ الأدب العربى بجامعة السويس والقاص، سيرته الذاتية فى ثلاثة أجزاء، وكنت قبلها أعرفه عن بُعد، وعلى الورق، من خلال كتبه ودراساته التى تُنشر تباعاً، وبعض جهوده فى حياتنا الثقافية المعاصرة، وكوَّنت عنه صورة تتجاور فيها قيمة الجد والاجتهاد، ونعمة المثابرة والصبر، والرغبة الدائمة فى تعزيز الملكات والقدرات فى مجال تخصصه، وإعلاء قيمتَى الحرية والكرامة، فلمَّا قرأت سيرته أدركت جذور هذه القيم، وأصل هذه النعم، ولم يكن شعورى كاذباً فى أن الرجل قريب من نفس كل مثابر، يسعى إلى الإجادة والتجديد، ويُحلق به طموح قوى إلى آفاق بعيدة بحثاً عن تحقق بين أساتذة الأدب، والمنشغلين به، والمشتغلين له، فى حياة العرب المعاصرين.
فوراء الدكتور تعيلب قصة كفاح جديرة بأن يُنظر إليها باعتبار واقتدار، لدى الممكَّنين فى عالم النقد، ويستمد منها العزم والإلهام الباحثون فى حقل الآداب، والأكاديميون العاملون فى مجال التدريس بمختلف جامعاتنا. وفى سيرته يجد حتى القارئ غير المتخصص متعة وإفادة، إذ كتبها بطريقة سردية، وفى لغة فياضة، واتسم فيها بقدر مناسب من الصراحة، يعنى من يسعون وراء نماذج بشرية ناجحة.
إنها سيرة تشبهنى، وتشبه كل ريفى كافح فى سبيل أن يجد له مكاناً فى المدينة، أو فى زحام الناس الذين يعملون دوماً على تحسين شروط الحياة، فهو يقول «كنت فى الصف الأول الإعدادى عام 1974، طفل يتهيأ لأسباب الرجولة، كنت أعمل فى تنظيف حقول القطن من الحشرات، أعمل بكد يدى لأساعد نفسى، وما تبقى أساعد به أمى فى متطلبات الحياة».
ثم يروى لنا أطرافاً من حكايات عن أصدقائه وصاحبات أمه وزملاء مساره ومسيرته، ولا ينسى فى زحام الأسماء والحكايات أن يصف لنا، بلغة غارقة فى المجازات والصور، أحوال الناس، وظروف المجتمع، وشكل الطبيعة، الذى يصوره قائلاً: «شمس المغيب تضمحل رويداً رويداً فى البرتقالى المشعشع المختنق بصفرة داكنة، غبشة ليلية تتسرسب على طول الأفق تاركة قطع سحاب فاحمة تترامى بين الغبشة والدكنة، تبرقع جسد النهار المودع، طيور آيبة تعانق عرض الأفق الشاحب البعيد، تمرق فى الأفق مسبحة فى صمت وخفة، تئوب إلى أعشاشها هامسة مشجونة، أصوات وأصداء مبهمة ملتبسة، تهمهم فى حنايا الطرقات، وزوايا السكك، سعف النخيل يتأود فى الظلمة الشفيفة كأنه أشباح مريبة، نسيم وانٍ هفهاف يلف كل شىء من حولى، رائحة المساء معبأة بروح الليل والشجن، تسرى كصمت الغرباء، فأغرق فى صمتى ذاهلاً عن نفسى».
نحن إذا أمام سيرة رجل يبدو لنا من سطوره أنه رقيق الحس، رفيق بكل ما حوله، ومن حوله، له رؤيته للطبيعة والكون، وله رأيه فى مجريات الحياة وتصاريفها، تاركاً نفسه تنخرط مع مجاهدة البسطاء فى سبيل البقاء على قيد عيش متقشف خشن، يرى الغارقون فيه التعليم وسيلة للترقى والحراك الاجتماعى إلى الأمام، دون أن ينسى الأصلاء من بين هؤلاء المتعلمين جذورهم، والمعين والمنهل الأول الذى غرفوا منه منظومة قيم حكمت حياتهم فيما بعد، ووعداً لم يزغ عن أبصارهم، ودَين فى أعناقهم أن يمدوا أيديهم حال تمكنهم إلى الذين تحايلوا على العيش، وضنوا باللقمة على بطونهم الضامرة، فى سبيل أن يشتروا لهم الأقلام والكراريس والكتب.
يقسم تعيلب سيرته «التحديق فى الشرر» إلى ثلاثة أجزاء، أخذت عناوين: «الفراشات»، و«المكابدات»، و«التحرر»، ويهديها إلى من يراهم أصحاب فضل عليه: أمه وزوجته وبناته، فيقول لأمه: «لم تتركى لى بعد رحيلك سوى سيرتك الجليلة، فتعلمت منك ألا أترك بعد رحيلى سوى سيرتى، فإليك سيرتى فى الدنيا إلى أن ألقاك فى دار الحق»، ثم يواصل إهداء ما كتب إلى الزوجة زينب صيام والبنات سارة وسلوان وسماء، قائلاً: «ليس عندى شىء أهديه إليكن سوى سيرتى».
تستحق الأم أن تُهدى إليها السيرة، فالأب مات عن خمسة وأربعين سنة، تاركاً الأسرة بلا دخل، وليس فى يدها سوى مال قليل جداً، فما كان من الأم إلا أن عملت بالتجارة مثل رجال القرية، وأرسلت خطاباً عام 1970، كتبته بنفسها، إلى الدكتورة عائشة راتب، وزيرة الشئون الاجتماعية، فخصصت للأسرة إعانة شهرية قدرها ثلاثة جنيهات ونصف.
(نكمل غداً)