شيماء البرديني تكتب: 100 يوم من «اللعبة البايخة»

شيماء البرديني تكتب: 100 يوم من «اللعبة البايخة»

شيماء البرديني تكتب: 100 يوم من «اللعبة البايخة»

كل السيناريوهات كانت تؤكد أن القادم صعب؛ أو أنه لن يكون سهلا ويمر كما مر ما سبقه من صعوبات.. أمريكا تنتخب الرئيس وتختار بين مسارين أحدهما واضح تتوقع خطوته القادمة، بل لم يخرج عن مساره المحدد والمرسوم بعناية، لولا شطحات أخطأت مسارها حين يتوقف صاحبها عن علاجات ألزهايمر الذى بدا أنه استشرس عليه.. أما الثانى فمسار لم يكن أبداً لنا أن نرغبه أو نفكر فيه؛ لا لشىء سوى أنه سيخالف قاعدتنا الأثيرة «ما تبعش المياه فى حارة الساقيين»، ونحن هنا فى موقع يجمع الحسنيين، ملاك «الحارة»، وملوك «الشغلانة».

متابعة لقرابة 100 يوم، ما كل هذا الزخم؛ أحقاً الرقم المدوّن؟ كل هذه الأحداث فى 100 يوم، يا الله.. ما زال أمامنا أيام كثيرة حتى نصل للمشهد الذى نتمناه، صحيح أن الفوارق بسيطة، لن تصير أكثر من «تلك أسماء سميتموها»، لكنها أيضاً فوارق فاصلة فى حجم الجهد المبذول؛ فى كل مسار، صحيح أن كليهما جهد؛ لكننا الآن فى مرحلة الجهد المقرون بـ«الفرهدة».. 100 يوم حقاً أم أن التوقيت الصيفى فعل فعلته ومط الأيام كما مط الساعات؛ لقد أصبحنا نرى الشمس أكثر من اللازم؛ فهل تدخلت تكنولوجيا «إكس» الصغير الذى يلهو بالجميع فى تغيير حسبة الأيام والشهور؟.

نحن شعب يهوى المكسب، يحترفه ويتقنه، نستمتع به حين يأتينا بحرفنة وتعب وليس مجرد ضربة حظ.. نعشق الحديث عن الأسباب، ونقرن التحديات بالنتائج ليتضح لنا ما كنا فيه وما صرنا إليه، لكننا أيضاً نشجع اللعبة الحلوة؛ الفائز له التحية واللعبة الحلوة لها التقدير؛ ونحن أمام فريق عنيد يحاول الفوز أمام منافس شرس لا يقبل بالهزيمة ولا يعرف الانسحاب؛ لكننا فى كل مرة ونحن نضرب بالقاضية نتذكر لمنافسنا أنه لعب لعبة حلوة سيسطرها التاريخ تحت عنوان «بيرقص حلو وبخفة دم»، فما بالك إذا كانت لعبته بايخة ونتاجها دموى.

كل ما تراه حولك ترقيصة حلوة.. لكنها تفتقر أحياناً لخفة الدم المطلوبة فى هذه النوعية من الألعاب، التى تأخذ طابعاً سياسياً، ويضعها التاريخ فى باب معنون بالفضل، إنه دهاء القادة والحكام وسياسات النفس الطويل، من يجيدها يحرز أكبر عدد من النقاط، إلى أن يرفع أحدهم الراية البيضاء.. المعضلة الأساسية هنا أن أرض الملعب ليست خضراء؛ لقد غطتها الدماء؛ ولا يوجد مرمى لإحراز الأهداف؛ القاعدة هنا هو من يمتلك الكرة أكثر؛ نلعبها نحن كرة شراب وقد زاد حجمها بفعل ما مرت به على الأرض وهى تتراوح بين أقدام اللاعبين؛ فيما يلعبها المنافس بالذراع والقوة البدنية؛ ومع فارق الحجم والإمكانيات؛ هل تتفوق بذراعك أم بعقلك الذى يدير الصراع والذراع؟

أعجبتنى مقارنة قد تبدو طبقية بعض الشىء بين مهارات شابين؛ أحدهما يدرس فى مدرسة دولية، والآخر طالب فى مدرسة حكومية؛ الأول «مصروف عليه» يجيد اللغة ويأكل السوشى ويضع كريمات واقية من أشعة الشمس الحارقة صيفاً وسيرته الذاتية عامرة بكل صنوف المهارات التعليمية.. فيما استقر الثانى فى جلباب أبيه، سيرته الذاتية تضم اللازم من مهارات تعليمية؛ أما يداه فتجيدان كل شىء على الأرض.. لا تقف مهاراته عند حد ولا ينطق بكلمة «معرفش»؛ يأكل السوشى إذا قدم له وقد يأكل طاهيه أيضاً إذا لم يكن لديه بديل أو استلزم الأمر؛ تعلم الاكتفاء والاستغناء فصار بما لا يملكه منافساً لمن ملك كل شىء.. وهكذا نحن وهم.

تمر الـ100 يوم الأولى من حكم الرجل الأبيض وقد مارس كل شىء، هو يراها قرارات، لكنها فى حقيقة الأمر جرائم، فى حق الإنسانية والعدالة والمواثيق الدولية، جرائم سياسية عظمى، ستغير كثيراً من نظرة العالم له، ليس كشخص فحسب، فمعروف من هو، خلفيته تشير إلى قناعاته وتوجهاته وأيضاً قراراته، لكن للدولة التى يقف على رأسها، ويدير من موقع مصلحته الخاصة صراعات ستعانى منها حتى بعد رحيله عنها.. صحيح أنه بذل كل شىء من أجل إحداث الهيمنة المرجوة، لكنه لم يفلح فى شىء مما قصده، لم يحرك ساكناً، ولم يغير قناعة وعقيدة عشنا عليهما سنوات، لا نؤرخ لبدايتها بل نؤكد على حقيقتها، ويبدو أننا سنحتاج فى نهاية كل 100 يوم من حكمه إلى تذكيره بها «لا نميل لا نمل لا نلين».