ظلت جملة «لا اجتهاد مع نص» تُرفع فى وجه كل من يريد أن يجتهد ويجدّد الفكر والخطاب الدينى، ولم تعطلنا جملة عن الاجتهاد مثلما عطلتنا تلك الجملة، فليس كل من حاول الاجتهاد فى وجود نص أو تأويل نص أو التمرّد على تفسيرات القدماء بنت زمانها ومكانها، نتّهمه بالمروق والفسوق والكفر والردة إلى آخر هذا القاموس الذى صار فزاعة وسلاحاً يُشهر فى وجه كل مجتهد ومفكر، وتدور الآن معركة فى وجه أستاذ فقه مقارن يحاول أن يجتهد بسقف منخفض عن السقف الذى تجاوزه مفكرون ومجدّدون أوروبيون، ولا أعرف ماذا كان سيحدث للدكتور سعد الهلالى إذا كان قد فعل نصف ما فعلوا فى تراثهم الدينى؟
خالد منتصر يكتب: اجتهاد مع نص.. اجتهدوا تصحوا
خالد منتصر يكتب: اجتهاد مع نص.. اجتهدوا تصحوا
نحن قد وصلنا فى حواراتنا الفكرية إلى مستوى يتجاوز معارك المطاوى والسنج فى الحارات، فلم أتصور يوماً أن تخرج أستاذة أزهرية لتنعت زميلها بأنه سفيه!، ولا أن يحرّض محامٍ شهير على أستاذ دكتور جليل ويشتمه بأقذع الألفاظ!، هذا إرهاب فكرى، وفاشية تتستر برداء دينى، الاجتهاد مطلوب، وهناك أمثلة على الاجتهاد مع النص نتغافلها عمداً، وآن أوان ظهورها وكتابتها ونشرها للناس، وهذه أمثلة من اجتهاد الصحابة فى وجود نص:
1 - سهم المؤلفة قلوبهم:
وهو السهم الذى نص القرآن الكريم عليه فى آية توزيع الزكاة «إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» الذين كان الرسول يعطيهم وهم كفار متأرجحون حتى يكفوا عن المسلمين شرهم ويكسب ودهم، وأوقف عمر بن الخطاب هذا الحكم، وقال لاثنين تصدق عليهما أبوبكر بأرض، اتباعاً لهذه الآية. قال لهما عندما تذمر: إن رسول الله كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل، وإن الله قد أغنى الإسلام، فاجهدا جهدكما لا يرعى الله عليكما أن رعيتما»، وبهذا طبّق الفاروق مبدأ «الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً».
2 - تقسيم الغنائم:
كانت الغنائم من الأعداء المحاربين تقسّم حسب الآية الكريمة «وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ»، والباقى وهو الأربعة أخماس يوزَّع على المحاربين الفاتحين، وعندما نظر «عمر» فى خريطة الأرض المفتوحة ورأى أنها لو وُزّعت على الفاتحين لصارت ملكاً لهم ولورثتهم، فكيف يكون حال أهلها، وكيف يكون حال الدولة نفسها إذا احتاجت إلى مال لإدارتها؟، فقال باجتهاده وبصيرته النافذة «لا والله لا يفتح بعدى بلد كبير فيكون فيه كبير نيل (كبير النفع)، بل عسى أن يكون كَلاً (عبئاً) على المسلمين، فإذا قسمت الأرض بعلوجها (أهلها) وأرض الشام بعلوجها، فما يسد به ثغور؟ وما يكون للذرية بهذا البلد وبغيره من أرض الشام ومصر والعراق؟»، وانتهى الأمر على ما رأى عمر رغم معارضة الكثير من الصحابة، وصارت الأرض ملكاً للدولة بخراجها على قضاء مصالح المسلمين عامة.
وهناك اجتهاد التابعين، ومن أهم تجلياته توبة المحارب لله ورسوله قبل القدرة عليه، فأصل الحكم فى هذا موجود منصوص عليه فى القرآن «إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»، ولم يحدث طبقاً لهذه الآية فى أيام الرسول أن عاقب الحاكم جانياً محارباً تاب قبل القبض عليه وسلم نفسه معترفاً بذنبه، لكن عروة بن الزبير، وهو من كبار فقهاء المدينة له رأى اجتهادى فى هذا خالف فيه ما كان مستقراً حسب نص الآية الصريحة، وقال «لو قبلت توبته وأعفى من العقاب لتجرّأ المفسدون فى إفسادهم، ثم سارعوا فسلموا أنفسهم وحدث من ذلك فساد كبير، حتى ولو ردوا ما أخذوا من مال ولو عفا أهل المقتول، فإن ترويع الآمنين باقٍ وحق الحاكم باقٍ».
وهذا مثال من اجتهاد التابعين، وهذه الأمثلة وغيرها أكثر لا تعنى تجاوز النص وإلغاءه، وإنما تجاوز الحكم المستنبط منه، والاجتهاد هنا اجتهاد فى مدى توافر الشروط اللازمة لإعمال هذا الحكم على النحو الذى يُحقّق حكمته وعلته والمصلحة المبتغاة منه، فإذا توافرت الشروط فلا تجاوز للحكم، وإذا لم تتوافر أثمر الاجتهاد حكماً جديداً.