محمد مصطفى أبوشامة يكتب: سلاح المقاومة.. أين ومتى؟
محمد مصطفى أبوشامة يكتب: سلاح المقاومة.. أين ومتى؟
نودع اليوم (نيسان) الأحزان والذكريات المؤلمة، حيث تتساقط آخر أوراق شهر أبريل الصاخب ومعها تتلاشى الضلالات وينقشع الخداع، فالكذب هو صنعة هذا الشهر الميلادى وسمته المميز.
وارتبط شهر (أبريل) كثيراً بالحروب الكبرى، فقبل أكثر من قرن ونصف من الزمان اشتعلت الحرب الأهلية الأمريكية سنة 1865، فيما استسلمت ألمانيا ليسدل الستار على الحرب العالمية الثانية فى أبريل من العام 1945، أما التاسع من أبريل سنة 2003، فهو تاريخ يحفظه العرب جيداً، ففيه سقطت بغداد تحت وطأة الاحتلال الأمريكى، وبدأت حقبة جديدة من تاريخ الضياع العربى، وفى 15 أبريل سنة 2023 اندلعت الحرب الأهلية فى السودان، ولا يزال البلد العربى الشقيق يعانى من قسوتها وشراسة معاركها، وينتظره فاتورة خسائر مرعبة، ستعود بالسودان سنوات كثيرة للوراء.
أما أسوأ حروب (نيسان) فهى عن جدارة الحرب الأهلية فى لبنان، وقد عشنا هذا العام ذكراها الـ50، حيث اندلعت فى 13 أبريل سنة 1975، ولعل تجدد الذكرى فيه ما ينفع الحاضر، فى لحظة تحاول لبنان الغالية أن تستفيق وتتجاوز محنة هى الأصعب فى تاريخها منذ نصف قرن من الزمان.
وبرغم مُضى سنوات كثيرة على نهاية الحرب الأهلية فى لبنان سنة 1990، إلا أنه ما زال «السلاح» خارج سيطرة الدولة أو ما يعرف بـ«سلاح المقاومة» هو الحائل الذى يعوق قطار الدولة اللبنانية من الانطلاق فى مسارات التنمية المختلفة لتستعيد مكانتها العربية والإقليمية والدولية.
ورغم هدنة (هشة) فى نوفمبر الماضى أنهت ظاهريا آخر صفحات الحروب فى لبنان، إلا أن عربدة إسرائيلية شبه يومية تحت ذريعة ملاحقة المقاومة وسلاحها، تحرم الحكومة من اتخاذ ما يلزم من خطوات إصلاحية، وتبقى على لبنان ساحة حرب لا تنتهى.
من الصعب أن تمنع نفسك من الحزن على «حزب الله» وعلى حال المقاومة بعد ما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى خطابه المتلفز قبل أيام فى مؤتمر وكالة «JNS» أو «تجمع الأخبار اليهودية»، كاشفاً عن أسرار جديدة فى عملية تفجيرات «البيجر واللاسلكى» الشهيرة التى وقعت يومى 17 و18 سبتمبر الماضى، وكانت نقطة تحول فارقة فى المعارك الضارية بين قوات حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلى، والتى كانت مشتعلة فى سياق ما سمى بـ«حرب الإسناد»، وكان حزب الله هو رأس الحربة فى دعم حركة حماس خلال مواجهتها مع العدو الإسرائيلى فى غزة بعد طوفان الأقصى فى السابع من أكتوبر 2023.
قالها «نتنياهو» بفخر: «خلال ساعات دمرنا أسلحة كان الحزب يعدها منذ 30 سنة»، لقد كانت تلك التفجيرات وما تلاها من سلسلة اغتيالات مُحكمة نفّذتها إسرائيل، كفيلة بتقويض قوة الحزب وتحطيم قدرته العسكرية، خاصة بعد اغتيال الأمين العام (التاريخى) للحزب، حسن نصر الله، ومن بعده خليفته هاشم صفى الدين، وبينهما مئات من قيادات الصف الأول والثانى فى التنظيم الأهم فى تاريخ المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلى، والذى لم ينافسه على صدارة البطولة إلا حركة حماس، وإن كان
الحزب تفوق كثيراً فى عمق أثره الإقليمى واتساع رقعة معاركه السياسية والعسكرية.
وسيفرض السؤال نفسه، وسيلح على المتابعين لتصاعد أزمة «سلاح المقاومة» التى تتخذها إسرائيل ذريعة لاستمرار عملياتها العسكرية ضد المدنيين فى لبنان وفلسطين حتى اليوم.
عن أى سلاح تُحدثنا إسرائيل بعد عمليات عسكرية تدخل شهرها التاسع عشر خلال أيام؟، أى سلاح هذا الذى لا يزال لدى حماس وحزب الله بعد كل هذه العمليات العسكرية التى نفذها جيش الاحتلال ضدهما؟، ولماذا لم يستخدم حزب الله ما جمعه من أسلحة فى 30 سنة، قبل أن يدمرها العدو خلال ساعات، كما أكد نتنياهو؟، وإن كان هناك سلاح باقٍ مع أى من فريقى المقاومة، فما فائدة وجوده، إن كان ثمن الاحتفاظ به مزيداً من الشهداء، ودماراً شاملاً للبلاد والعباد؟
لقد تعهد الرئيس اللبنانى جوزيف عون بوضع حد لسلاح حزب الله وأشار إلى أنها قضية حساسة ستستغرق وقتاً كى يتم حلها، فيما سبَّ الرئيس الفلسطينى محمود عباس حركة حماس بألفاظ نابية، مطالباً إياهم بالإفراج عن الرهائن، بينما طالبت قيادات بارزة فى حركة فتح بأن تسلم حماس سلاحها إلى السلطة الفلسطينية.
و«سلاح حماس» هو أصعب فصول فوضى السلاح فى العالم العربى، وهو الشرط الذى تحطمت عنده الكثير من جولات مفاوضات الهدنة فى غزة. وستستمر إسرائيل فى استغلاله كذريعة لتصفية القضية وتنفيذ مخطط التهجير.
إن قضية «السلاح» خارج سيطرة الدولة ستبقى مطروحة على الطاولة العربية، حيث تلوح مخاطرها فى دول أخرى مثل سوريا وليبيا واليمن والعراق، فهل هناك أمل فى تجاوز هذا الخطر الداهم؟