عمار على حسن يكتب: الصوفية والمجتمع فى مصر

كتب: أحمد العانوسي

عمار على حسن يكتب: الصوفية والمجتمع فى مصر

عمار على حسن يكتب: الصوفية والمجتمع فى مصر

يعود التصوف فى مصر إلى «ذى النون» الذى توفى سنة 245هـ، لكن صارت له جماعات تقوم عليه، فى عهد صلاح الدين الأيوبى، الذى أنشأ خانقاه أو تكية تسمى «سعيد السعداء»، ينقطع فيها متصوفة للذكر، مقابل أن توفر لهم الدولة القوت والدواء، وذلك فى إطار مسلك هدف وقتها إلى مقاومة الرواسب التى تركها الفاطميون فى المجتمع المصرى.

تفرعت الطرق الصوفية مع الزمن حتى صارت الآن تصل إلى ثمانين طريقة. فى هذه الرحلة الطويلة، قامت طرق وازدهر وجودها، ثم اختفت وصارت أثراً بعد عين، وقام غيرها مكانها، لكن الطرق الصوفية ظلت عبر القرون تمثل جزءاً مهماً من «الحالة الدينية» فى مصر، لها خصوصية تختلف عما كانت عليه فى بلاد أخرى.

انشغلت بالتنشئة السياسية للطرق الصوفية، وأعددت رسالة ماجستير فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة عنها، ظهرت فى عام 1997 من خلال كتاب حمل اسم «الصوفية والسياسة فى مصر»، صدرت منه أربع طبعات فى نحو مائتى صفحة، الأولى عن دار المحروسة، والثانية عن دار شرقيات، وطبعتان عن مكتبة الأسرة، ثم طورت الرسالة، أو بالأحرى الكتاب، فصدر عن دار العين بالقاهرة عام 2009، فى سبعمائة صفحة من القطع فوق المتوسط، بعنوان: «التنشئة السياسية للطرق الصوفية فى مصر.. ثقافة الديمقراطية ومسار التحديث لدى تيار دينى تقليدى».

فى الآونة الأخيرة أجرت معى منصة «أثير» التى تطلقها «شبكة الجزيرة» وفى برنامج فرعى لها يسمى «وسط البلد» مقابلة مطولة للحديث عن الصوفية والسياسة والمجتمع والثقافة فى مصر، فكانت فرصة لا تقل كثيراً عما فى كتابى لمشاهد ومستمع ربما يروق له متابعة التليفزيون واليوتيوب أكثر من قراءة الكتب.

تناولت جوانب عدة حول الموضوع، وأود فى هذا المقام أن أبدى خمس ملاحظات، حكمت الحوار فى مبناه ومجراه، وهى:
1- فترات قليلة هى التى لعبت فيها الطرق الصوفية فى مصر دوراً إيجابياً فى مواجهة تجبّر السلطة السياسية وفسادها، فباستثناء الطريقة العزمية التى شاركت فى ثورة 1919 وطُرد شيخها من السودان لتحريضه أهلها ضد الاحتلال الإنجليزى، سارت الطرق الصوفية فى ركاب السلطة، وبعضها كان يتبع أحزاباً سياسية موالية للقصر فى العهد الملكى، وسايرت حكام ما بعد يوليو 1952، لكن هذا لم يمنع مواجهة بعض الشيوخ، على فترات متقطعة، لسلاطين وملوك وولاة ظلموا، وممارستهم أحياناً دور الوسيط بين الناس والجالس على الكرسى الكبير، ونجاحهم فى حل مشكلات كثيرة للعموم.

2- بعيداً عن مصر، لعبت الطرق الصوفية دوراً مهماً فى مقاومة الاستعمار فى أفريقيا وآسيا، وحافظت على الإسلام فى الاتحاد السوفيتى ونشرته فى غرب أفريقيا، وهى تنشره الآن فى أوروبا، وبعض شيوخ الطرق أقاموا ممالك على أنقاض الاستعمار بعد أن أخرجوه، كما لعبت الزوايا دوراً مهماً فى تنمية بعض المجتمعات عبر الزراعة والتصنيع البسيط، الذى سد جزءاً مهماً من حاجات الناس.

3- ركنا التصوف فى الزهد والمحبة فيهما نعمة كثيرة، أما ركناه فى العلم اللدنى والولاية ففى بعض الأحيان فتح الباب لأكاذيب تغلب فيها الأدعياء على الأولياء، من حيث الذيوع والشهرة والتأثير، وكانا نافذة لاختلاط الصوفية بتصورات باطنية غنوصية أو حتى بالسحر والشعوذة، وكان هذا تدليساً كبيراً مورس على الناس.

4- أفرق دوماً بين التصوف كمسار روحى، لا يجعل الحقيقة فى خصام مع الشريعة، وبين الطريقة كتجمع بشرى، يوظف الدين، مثل غيره من التجمعات والتنظيمات، فى مجالات شتى.

5- مهما قيل عن مخالفات الطرق الصوفية فى مصر بوصفها نوعاً من «التدين الشعبى» فضررها، على المجتمع والإسلام نفسه، أقل كثيراً من جماعات وتنظيمات توظف الدين فى تحصيل السلطة السياسية والثروة، وتحمل السلاح، أو تمارس الخداع، فى سبيل هذه الغاية. ويجب ألا ننسى فى هذا المضمار أن القانون رقم 118 لسنة 1976 الذى يحكم عمل الطرق الصوفية ينص على أنها «سنية المذهب»، ويطالبها بمحاربة الشعوذة والخرافة.


مواضيع متعلقة