د. محمود خليل يكتب: جحيم «البخس»

كتب: أحمد العانوسي

د. محمود خليل يكتب: جحيم «البخس»

د. محمود خليل يكتب: جحيم «البخس»

لا يخلو الكثير من معاملات الناس من حضور أدوات الكيل والميزان، فالأساس فى عمليات البيع والشراء هو الوزن أو الكيل، والوزن وكذا المكيال الدقيق حق للمشترى، مثلما أن الثمن المتفق عليه حق لكل بائع. يقول الله تعالى فى سورة «الأنعام»: «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا».

فى القرآن الكريم تجد سورة كاملة موضوعها «المطففون» تقول آياتها الكريمة: «وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ». المطففون أناس حين يطلبون يأخذون حقهم وافياً، فإذا اكتالوا من الناس ما لهم قبلهم من حقّ، يستوفون لأنفسهم، فيكتالونه منهم وافياً، أما إذا كان الحق منهم لغيرهم فإنهم ينقصونه ويحاولون أن يسلبوا الغير حقوقهم.

لقد أمر الخالق عزّ وجل عباده بالعدل فى الأخذ والعطاء، خصوصاً أنه لا يخلو زمان أو مكان من أمر المكاييل والموازين، فحاجة البشر إليهما أساسية لإجراء عمليات البيع والشراء، كما ذكرت لك، ومن يكيل أو يزن للناس شيئاً لا بد أن يلتزم قدر ما يستطيع بأن يعطى الآخرين حقوقهم، وأن يعقد نيته على ذلك، وسوف يغفر الله له أى خلل يقع من جانبه على مستوى الكيل أو الميزان إن كان عاقداً نيته على الوفاء بحقوق الغير، وذلك معنى «لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا».

والمجتمعات التى يسودها التطفيف فى الحقوق، ويحصل بعض أفرادها على حقوقهم كاملة، فى حين تستلب الأغلبية ما لها من حقوق هى مجتمعات تسير على طريق الخراب فى الدنيا، وعلى طريق جهنم فى الآخرة، فحالة التطفيف ترتبط بثقافة خائبة تسيطر على عقل المجموع ينسى معها الأفراد أنهم إلى زوال، وأنهم محاسبون يوم القيامة على ما يقترفون من سلب وانتقاص لحقوق غيرهم. يقول تعالى فى سورة «المطففون»: «أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ». فنسيان البعث والحساب هو أصل خراب المجتمعات، فعندما ينهض بأمانتها أناس تسيطر عليهم فكرة الخلود فى الموقع أو المكان أو النفوذ أو المقدّرات، وأنهم ليسوا إلى زوال وسيُحاسبون على أعمالهم، فإنها تكون قد وقعت فى دائرة خطر لن تخرج منها سالمة.

ذلك ما حدث بالضبط لأهل مدين (أصحاب الأيكة) الذين أرسل الله تعالى نبيه «شعيب» حتى ينتشلهم من الغرق فى الآفة الجسيمة المتمثلة فى انتقاص الكيل والميزان. قال تعالى: «وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ». لقد كانت هذه الآفة المقدمة الكبرى لانهيار مجتمع «مدين»، ولم تكن بالآفة الهينة، فعندما نبّههم نبيهم إلى عدم بخس الناس أشياءهم: «وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ»، فالبخس قد يكون فى الكيل والميزان، وقد يكون فى حرمان أحد من موقع يستحقه، أو تقدير يستأهله وهكذا.

لقد انتهى مجتمع مدين إلى نهاية مرعبة، إذ ظلوا يقابلون أنواعاً مختلفة من العذاب حتى أخذتهم الصيحة: «وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ»، ثم أخذهم عذاب يوم الظلة، فاحترقوا فى جحيم البخس: «فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ»


مواضيع متعلقة