الأب بطرس دانيال يكتب: في الحكمة تأنٍّ

كتب: أحمد فكري

   الأب بطرس دانيال يكتب: في الحكمة تأنٍّ

الأب بطرس دانيال يكتب: في الحكمة تأنٍّ

يقول سفر الحكمة: «يا إلهَ الآباءِ ويا ربَّ الرَّحمَةِ... هَبْ لى الحكمةَ الجالسةَ مَعَكَ إلى عَرشِكَ» (حكمة 9: 1-4). مَنْ منّا لا يرغب فى الحصول على الحكمة، ليستطيع تمييز ما يراه ويسمعه؟ مما لا شك فيه أن الحكمة تساعدنا على عدم التسرُّع فى الحُكم على الأشخاص أو الأشياء، بل تُرشدنا للتأنى والتعقُّل لنفهم الناس.

يُحكى عن رسامٍ شهير كان يقوم بإعداد لوحة جدارية كبيرة الحجم، فقام بتحضير السقالة التى سيقف عليها، ثم بدأ فى دهان أرضية اللوحة، وأثناء انغماسه فى العمل أتى لزيارته أحد الأصدقاء المقرَّبين إليه، وظل واقفاً عند الباب صامتاً دون أن يفتح فاه، لأنه وجده مشغولاً فى إعداد اللوحة بكل تركيز، وكان يقوم بطلائها بدرجاتٍ مختلفة من اللون الرمادى الداكن، وعندما أراد الرسَّام أن يرى الأرضية التى يرسمها من زاوية أخرى، اضطر إلى النزول من أعلى السقالة، ثم رجع للخلف وعيناه لم تفارقا اللوحة لحظةً واحدة، حتى إنه عندما اقترب من صديقه لم يشعر بوجوده لأنه كان محدِّقاً إلى لوحته، وبعد لحظات من التأمل فيها صرخ بصوتٍ عالٍ: «يا لها من لوحةٍ رائعة وبديعة». مما جعل صديقه الذى سمع هذا الكلام يتعجَّب، وقطع صمته قائلاً: «أين هذه اللوحة الرائعة والبديعة؟ كل ما أراه ما هو إلا ألوان داكنة قاتمة بلا معنى ولا منظر». فكان رد الفنان الواثق من عمله: «معذرةً يا صديقى، عندما تنظر أنت إلى اللوحة لن ترى سوى ما هو مرسوم عليها، أما أنا فعندما أنظر إليها أرى ما سوف يُرسم عليها، وهناك فرق شاسع بين الأمرين».

هذا الموقف يساعدنا على عدم التسرُّع فى الحكم على الآخرين من وجهة نظرنا، أو من موقف واحد صدر عنهم فى ظرفٍ ما. هل نستطيع أن نحكم على طفلٍ بما يقوم به أو يقوله ونعتبر أن هذا ما سيكون عليه؟ أم نترك الأمور للمستقبل والمسيرة الطويلة التى سيتبعها؟ كم من المرات التى فيها ظلمنا الآخرين، بسبب موقف بسيط أو رد فعل فى مناسبةٍ ما؟ نحن نحكُم على الأمور بما نراه على السطح أو تحت أنظارنا، دون التروِّى وترك فرصة لنضوج الأشخاص ونموهم العقلى والذهنى والإبداعى. بينما الإنسان الحكيم والواعى يدخل إلى العمق، لأنه سيكتشف حقيقة ما يراه وجماله وروعته، وكل هذه الأشياء لا تستطيع العين بمفردها احتواءها.

إن الله الخالق منحنا البصيرة التى تُمكِّننا من الفحص والتأمل والتمحيص فيما هو أفضل وأنبل، كما تساعدنا على ألا نتخيَّل أننا أفضل الناس وكل ما نقوم به هو الأجمل والأكمل من الآخرين، لأن الإنسان فى فترة شبابه يبدو فى نظر نفسه قادراً على كل شىء، ولا أحد سواه يستطيع أن يقوم بمهامه.

ولكن مَنْ يرغب أن يتفوق فيما يقوم به يجب عليه أن يعمل أفضل ما عنده، لأن العمل هو قوة سحرية تجعل الحياة ربيعاً دائماً، وكل شىء فيها جميل فى الحقيقة لا فى الوهم. ومن الخطأ أن نرسم لأنفسنا خطة ضخمة لأعمالٍ كبيرة وننتظر أن يتحقق ذلك بصورةٍ مفاجئة، أو نتوقع النجاح والتفوق على الآخرين دون مجهود أو مثابرة.

لذلك يجب على الإنسان أن يبدأ تدريجياً حتى يصل إلى التفوق، فالخطوة الأولى تقود إلى الثانية، والغالبية العظمى من الناس الذين يحلمون بالأعمال الكبيرة هم أكثر الناس فهماً وإدراكاً لحقيقةٍ هى أن هذه الأعمال تبدأ دائماً بمراحل وتجارب صغيرة متواضعة، والنتيجة الرائعة والثمرة الناضجة والنجاح المنتظر تأتى فيما بعد.

ويمكننا أن نلاحظ فى حياتنا أن عدداً من الشباب الفاشلين يتميزون بذكاءٍ ومواهب كبيرة، ولكنهم مع ذلك فاشلون ويائسون. والسر فى هذا هو أنهم يتخيلون أن الوصول إلى القمة يأتى من الأحلام الكبيرة والأمانى العريضة. إنهم لم يسيروا فى الطريق الصحيح خطوة خطوة لتحقيق الأحلام الكبيرة، لكنهم أرادوا أن يصلوا إليها بالبراشوت.

لذلك يجب عليهم أن يتَّبعوا العمل البسيط المتواضع والبعيد عن الأضواء والزحام والضجيج، وليس العمل الذى تنسجه الثروة أو الشهرة. والعمل الصغير يؤدِّى إلى عمل أوسع منه، وقد يكون خالياً من كل بريق إلا فى شىء واحد، هو أنه يؤدى إلى الإحساس بمعنى الحياة، ويجعل القلب مليئاً بالأمل، ويساعد العين لأن تبصر فى الحياة أشياءً قد لا تراها العيون العادية، عيون الذين يستسهلون الحياة، فيرون الأشياء نفسها ولكن بصورة قاتمة وكئيبة.

ونختم بكلمات إسحق نيوتن: «إن العقل الإنسانى ليس سوى طفل يلهو فى الرمال على شاطئ محيط الحقيقة».


مواضيع متعلقة