حسين القاضي يكتب: رحلة في عقل الأصولية الإسلامية

كتب: أحمد فكري

حسين القاضي يكتب: رحلة في عقل الأصولية الإسلامية

حسين القاضي يكتب: رحلة في عقل الأصولية الإسلامية

أخطر ما تعرضت له الأمة فى الثمانين سنة الماضية ظهور جماعات الإسلام السياسى، لدينا أربعون تياراً من التيارات التى مزقت الأمة، وشتتت قوتها، وأفسدت عليها معينها، وأطفأت مصابيحها، وفرَّقتها فى مسالك ودروب وشعاب، حتى تمكّن منها أعداؤها، والفقه الأكبر وواجب اليوم -مع القضية الفلسطينية- تفكيك هذه التيارات وما لديها من علل وأسقام، وتخليص الشباب من نفاياتها، من أوهام وتبديع وتضليل وتكفير، واستباحة للأصالة المسلمين، والتشويش على المعرفة، واختلال سلم الأولويات، وهدم للأزهر، وإهدار الطاقات، والإغراق فى الحركة على حساب الفكر، والخلط المعيب بين الدعوة إلى الله والدعوة إلى التنظيم، واختلال المفاهيم الكبرى، والخلط بين الفشل والابتلاء، والثقافة التبريرية، والطرح الفراغى، وغياب الإنسانية، وعدم إدراك الواقع، كل هذه آفات كانت كالصواعق المرسلة، والشهب المحرقة، التى تبيد عقول الشباب وتدمرها تدميراً.

فى كتابه «فى مواجهة الإسلام السياسى.. رحلة فى عقل الأصولية الإسلامية» للكاتب والخبير فى شئون جماعات التطرف الأستاذ عمرو فاروق، يغوض فى عقل هذه الحركات، ويقدم قراءة للعقل الحركى لها، ويرصد آفاتها، حيث يتناول الأطر والمكونات التى تعزز من العنف بأنواعه.

وبينما تحاول جماعة الإخوان نفى علاقتها بالتنظيمات الجهادية، يرصد الكتاب تلك العلاقة، ويصل إلى نتيجة مفادها: التطابق والتلاقى والتقاطع بين الإخوان والجماعات الجهادية، والتطابق فى المنهج وفى البنية الفكرية وفى الحركة، وجاءت هذه القواسم المشتركة متمثلة فى المفاهيم الكبرى، التى اختار منها المؤلف نماذج مثل: الولاء والبراء، والسمع والطاعة، ورصد عدداً من الانحرافات، لا سيما المعنية بأبجديات «الفقه السياسى»، مثل الباب الأول فى البناء الحركى للتنظيمات وتأصيلاتها الشرعية، من مثل: «الحاكمية» و«الجاهلية»، و«العزلة الشعورية»، و«العصبة المؤمنة»، و«الموقف من الوطن»، و«الانتماء التنظيمى» و«العمل المسلح»، وكيف أن هذه الجماعات أخذت التفسير السياسى للدين ثم وظَّفته فى شرعنة الخروج على النظم السياسية الحاكمة من منطلق الحاكمية.

ركز المؤلف فى عقلية هذه التيارات فى ظل تمتعها بألوان خطابية متعددة على المستوى الفكرى والتنظيمى والحركى، وكشف اللثام عن تمويلاتها التى تمنحها استمرارية البقاء، وأوضح أن تفكيك العقلية الأصولية ومكوناتها لا يقل أهمية عن «المواجهة الأمنية» فى تجفيف منابعها واقتلاع جذورها من العمق المجتمعى، من خلال إعادة تصحيح مفاهيم الدين والتدين، التى تم احتلالها واختزالها على أيدى هذه الجماعات.

ودعا المؤلف إلى الحاجة العاجلة لتجديد الخطاب الدينى القادر على تقديم الإسلام وفق رؤية قائمة على التسامح والتعارف والمحبة وقبول الآخر واحترام المؤسسات والمرجعيات، ونبذ التعصب والكراهية، وتنقية التراث، وإتاحة المجال للنقد والتفكير والتطور الفكرى، مؤكداً أن زمن «الإسلام السياسى»، لم ينتهِ بعد فى ظل استمرار الأزمات الجيوسياسية الجارية فى الشرق الأوسط، والتى من شأنها المساهمة فى صناعة تحولات جذرية تعمل على إعادة تشكيل التاريخ السياسى والاجتماعى والدينى للمنطقة العربية، ما يعنى أن فرضيات عودة الجماعات الأصولية إلى مسرح الأحداث ما زالت قائمة، فى ظل تمددها الواسع على منصات التواصل الاجتماعى، وقدرتها على خلق ظهير وجدار فكرى داعم لمنطلقاتها وأفكارها.

والحاصل -كما نفهم من قراءة الكتاب- أن قضايا أمتنا، لا سيما قضايا الهوية والقيم والتعليم والتربية والثقافة والإلحاد وما شابه، لن تتم بمعزل عن مواجهة الحركات الأصولية الإسلامية مواجهة علمية فكرية، تفكك أصولها ومنابعها وتصوراتها، وأن كل ذلك لا يتم بمعزل عن تجديد الخطاب الدينى، وإفساح المجال للمفكرين والرموز والعلماء والكفاءات والمخلصين فى شتى المجلات، ولهذا جاء الكتاب المهم جداً فى موضوعه ووقته.


مواضيع متعلقة