رفعت رشاد يكتب: الغيطاني.. شاب عاش ألف عام
رفعت رشاد يكتب: الغيطاني.. شاب عاش ألف عام
بعد أيام قلائل تحل ذكرى ميلاد أديب كبير هو جمال الغيطاني، ولد في عام 1945 في جهينة بسوهاج وهو بالتالي بلدياتي وشرفت أيضا بزمالته في أخبار اليوم وتشاركنا معا خمس سنوات في مجلس الإدارة، يعد الغيطاني أحد أبرز روائيي مصر في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو مؤسس ورئيس تحرير جريدة "أخبار الأدب"، وصاحب تجربة أدبية متفردة تمزج بين التراث العربي الإسلامي، خاصة الصوفي، والواقع السياسي والاجتماعي لمصر المعاصرة.
كتب في بداية حياته عن الشاب الذي عاش ألف عام وربما جاء العنوان بدون قصد عن نفسه، أي أن أدبه سيجعله يعيش ألف عام وربما أكثر، وانطلقت شهرته بروايته "الزينى بركات" التي مثلت وثيقة فنية عن القمع السياسي، مستخدمًا لغة تراثية أشبه بالسجلات التاريخية.
تميز الغيطاني بأسلوبه الذي يستلهم الخطاب العربي القديم ويزاوج بين الوثيقة والتخييل، وبين الرؤية الصوفية والتجربة اليومية، ما جعله مادة خصبة للدراسة النقدية والأكاديمية في العالم العربي وخارجه.
تشكلت بدايات وعي الغيطاني على الحكايات الشعبية، والموروث الصوفي، وعبق الأزقة القديمة، انتقلت أسرته في وقت لاحق إلى القاهرة، وتحديدًا إلى حي الجمالية، الذي سيكون له أثر بالغ في تكوينه الإبداعي، وفي رسم معالم عوالمه الروائية، شأنه في ذلك شأن أستاذه الكبير نجيب محفوظ.
تلقى تعليمه الفني في مدرسة "القاهرة الثانوية الصناعية"، حيث درس الفنون التطبيقية، لكنه منذ الصغر كان مولعًا بالقراءة والكتابة، وأظهر ميولًا أدبية مبكرة، ما أهله لاحقًا للانخراط في الصحافة الأدبية، التي ستصبح بيته الأول وساحته الكبرى.
بدأ الغيطاني العمل الصحفي في منتصف الستينيات، بصحف أخبار اليوم، عاش في تلك الفترة ويلات النكسة وانتقل للعمل بجبهات القتال في حروب الاستنزاف وشارك في صنع النصر في أكتوبر، وكتب من هناك تقارير تشهد على وطنية قلم عاش الواقع واختزنه، ليعيد كتابته بلغة أدبية ذات بعد إنساني وفلسفي.
كان الغيطاني روائيًا، قاصًا، كاتبًا صحفيًا، ومفكرًا أدبيًا، أصدر عشرات الروايات والمجموعات القصصية والكتب، أبرزها: الزيني بركات، التجليات، وقائع حارة الزعفراني، هاتف المغيب، حكايات الخبيئة وحكايات المؤسسة، وغيرها حتى وصل عدد إبداعاته الأدبية إلى حوالي ستين كتابا منها الرواية والقصة والكتاب.
تميز بأسلوب أدبي يمزج بين التراث والتجريب، فلم يكن كاتبًا تقليديًا، بل جاء بمشروع لغوي وسردي خاص، أعاد فيه الاعتبار للغة التراثية، واستلهم من كتب الجاحظ والتوحيدي وابن عربي وغيرهم، ليؤسس سردًا ذا نَفَس تراثي عميق لكن بمعالجة حديثة ورمزية.
وجاءت لغته أقرب إلى لغة السجلات والمحاضر التاريخية، لكنها مشحونة بالإيقاع والإيحاء، تعتمد على التركيب والجناس والازدواج، ما جعلها مميزة وفريدة، وأحيانًا عصية على الترجمة.
كان عمله الأول "يوميات شاب عاش ألف عام" يشبَّه "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ، في مزجه بين الرمز والدين، والتاريخ والفلسفة، واستبطان المصير الإنساني، لكن الغيطاني خاض التجربة بطريقته الخاصة، عبر استلهام التصوف والزمن الدائري، لا الخط المستقيم، مما يجعل عمله أقرب إلى أدب الرؤيا منه إلى الرواية الواقعية.
ورغم أن الغيطاني كان قريبًا من جيل الستينيات، إلا أنه كان مختلفًا في مرجعيته، إذ لم يتبنَ خطاب الثورة أو الهزيمة بشكل مباشر، بل ذهب إلى نبش الذاكرة المصرية، واستخراج كنوزها.
وكان يرى في نجيب محفوظ المعلم الأول، خصوصًا في الالتزام بجماليات الكتابة، والنزاهة الأدبية، وقد قال عنه محفوظ: "الغيطاني يكتب كما يتنفس، ومشروعه الأهم هو مصر".
وبفضل أسلوبه المتفرد ومشروعه الأدبي العميق، أصبح الغيطاني من أكثر الكتاب العرب ترجمةً ودراسة، ونال جوائز عربية وعالمية، منها جائزة الدولة التقديرية ووسام الآداب والفنون الفرنسي.
ترك أثراً بليغاً في الأجيال التالية، وفتح الباب أمام تيار "الكتابة التراثية الحداثية"، وكان صوته راسخًا في الدفاع عن الهوية المصرية ضد طغيان التغريب والتسطيح الثقافي.
رحل جمال الغيطاني في عام 2015، لكن كتاباته لا تزال حية تنبض، وكأنها سُطرت بمداد لا يجف.