د. محمود خليل يكتب: أجواء الجحيم
د. محمود خليل يكتب: أجواء الجحيم
يقول الله تعالى فى سورة المائدة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ».
هذه الآية الكريمة تحمل إشارة إلى أن الإنسان عليه بنفسه أولاً وقبل الآخرين، فالعاقل من يبدأ بإصلاح نفسه، وقليل العقل هو من يندفع إلى إصلاح الآخرين فى الوقت الذى تتزاحم داخل نفسه العديد من الآفات التى ينهى غيره عنها، وقديماً قال الشاعر: «ألا أيها الرجل المعلم غيره.. هلا لنفسك كان ذا التعليم.. ابدأ بنفسك فانهها عن غيها.. فإن انتهت فأنت عن سواها حكيم.. لا تنه عن خلق وتأتى مثله.. عار عليك إذا فعلت عظيم».
يقول «ابن كثير» فى تفسير هذه الآية: يأمر الله عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ويخبرهم بأنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريباً منه أو بعيداً.
وينقل قول «ابن عباس» -فى تفسير الآية- الذى يقرر فيه أن العبد إذا أطاع ربه فيما أمره به من الحلال والحرام فلا يضره من ضل بعده.
وتلك حقيقة إنسانية كبرى، والمصريون يتحدثون عن أن من يحمل فوق رأسه قربة مثقوبة فسوف يغرق رأسه بالماء، وليس رأس غيره، فكل إنسان مسئول عن نفسه فى النهاية، ولن يضر بضلاله سوى نفسه.
أصل الإصلاح إذاً أن يبدأ الإنسان بنفسه، وليس معنى ذلك أن يهمل دعوة غيره إلى الإصلاح، فالمؤمن مطالب بأن يجتهد قدر ما يستطيع فى الدعوة إلى الالتزام بتعاليم وقيم السماء بين المحيطين به، حتى يصلح أمر الحياة وترتقى التعاملات ما بين الناس.
فإذا استجاب له الآخرون فذلك فضل من الله، وإن لم يستجيبوا فعليه أن يصلح نفسه ويدعو لغيره بالصلاح، فالإنسان يكتفى بنفسه بعد أن يجتهد فى دعوة غيره.
المعنى السابق تجده حاضراً فى ذلك الحديث الذى ينقله أبوثعلبة الخشنى عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين سأله عن الآية التى تقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ»، فرد النبى: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذى رأى برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم».
ما أعظم هذا الحديث، وما أشق الظرف الذى يصفه، الظرف الذى تسوء فيه التعاملات بين البشر حتى تبلغ الحضيض، فيسود الشح، ويبخل البشر على بعضهم البعض، ويبيت أغلب الناس مغلوبين بهواهم، رافضين الاعتراف بالحقائق الموضوعية على الأرض، وتصبح الدنيا غاية همهم ومبلغ علمهم، وينسون الآخرة ويوم الحساب، ويتشبث كل فرد برأيه ويحقر من رأى غيره، ويصبح الصبر دواءً مراً لا يطيقه إلا أولو العزم والإيمان من الناس.
فى مثل هذه الأجواء التى تشبه أجواء الجحيم على الإنسان أن يلوذ فيها بذاته هاتفاً: نفسى.. نفسى.