وفقاً لتحليلات عدد غير قليل من المراقبين، شكلت فترة رئاسة دونالد ترامب (2017 - 2021) منعطفاً استثنائياً فى التاريخ الأمريكى الحديث، ليس بسبب خطابه الشعبوى فقط، بل أيضاً لسياساته التى هزّت الثوابت الداخلية والخارجية للولايات المتحدة.
رفع ترامب شعار «أمريكا أولاً»، ومعه بدأ فى تشكيل أولويات الولايات المتحدة، عبر قرارات أحادية طالت العلاقات الدولية وقضايا الهوية الداخلية. لكن ما أبرزته هذه السياسات، ربما أكثر من أى شىء آخر، هو الهشاشة الكامنة فى النظام الديمقراطى الأمريكى، الذى طالما روّجت له واشنطن كـنموذج يجب أن تأخذ به كل دول العالم، رغم كل ثغراته.
انطلق «ترامب» بالسياسة الخارجية إلى تقويض التحالفات، وهو ما وصفته وسائل الإعلام الأمريكية نفسها بـ«السياسة الانعزالية العدوانية» بعد انسحابه من اتفاقيات دولية متعدّدة الأطراف دون اعتبار لتداعياتها الاستراتيجية.
ومن الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، إلى إلغاء الاتفاق النووى الإيرانى، مروراً بتعليق التمويل عن منظمة الصحة العالمية خلال جائحة كورونا، رسّخ «ترامب» نهجاً أحادياً يكشف عن سيطرة عقلية رجل المال والأعمال على عقلية الرئيس، بتفضيله المصالح الاقتصادية قصيرة المدى على الاستقرار العالمى.
فى العلاقات مع الحلفاء، تعمّقت أزمة ثقة غير مسبوقة بين الولايات المتحدة وحلف الناتو، على خلفية تهديد ترامب بتقليص الدعم العسكرى ما لم تزد الدول الأعضاء مساهماتها المالية، وعلى مستوى الشرق الأوسط، أثار نقل السفارة الأمريكية إلى القدس غضباً دولياً، وزاد الغضب بعد ضغطه فى اتجاه عقد صفقات «التطبيع» العربية مع إسرائيل. الأكثر خطورة كان الدخول مع الصين فى حرب تجارية طاحنة، امتدت آثارها المؤلمة إلى النظام الاقتصادى العالمى.
كل هذه القرارات لم «تهز» مكانة أمريكا الدولية فقط، بل كشفت أن القيادة الأحادية قادرة على فرض إرادتها، وتقويض عقود من الدبلوماسية متعدّدة الأطراف بضغطة زر، فى ظل وجود منظومة ديمقراطية شكلية.
على الصعيد المحلى، تحوّل «ترامب» إلى «رأس حربة» للاستقطاب الاجتماعى والسياسى، بدءاً من إقرار سياسات صارمة فى مواجهة الهجرة، مثل حظر استقبال مواطنى الدول الإسلامية، وبناء جدار الحدود مع المكسيك، وصولاً إلى تعامله المثير للجدل مع احتجاجات حركة «حياة السود مهمة» التى تفجّرت عام (2020)، ضد العنصرية والتمييز وعدم المساواة العرقية التى يعانى منها السود، وهاجم «ترامب» المتظاهرين، وهدّد باستخدام الجيش لقمع الاحتجاجات.
وشنّ البيت الأبيض هجوماً غير مسبوق على استقلالية المؤسسات، محاولاً تقييد عمل مكتب التحقيقات الفيدرالى، فى قضية الاختراق السيبرانى الروسى، إلى تهديد القضاء عبر «تغريدات» تهاجم القضاة، وكان الأكثر «فجاجة»، التعامل مع جائحة كورونا، حيث حولها ترامب إلى معركة سياسية، مُهملاً دور العلماء، مما أسهم فى وفاة مئات الآلاف من الضحايا.
كل هذه الإجراءات لم تُعمّق الانقسامات فى الداخل الأمريكى، بل أظهرت أن الضوابط الديمقراطية المدعاة هناك، مثل استقلالية القضاء وحرية الصحافة، عُرضة للسقوط فى أسرع مما يتخيل أحد، أمام رئيس يرى أنه أكبر من الخضوع للمحاسبة.
النظام الديمقراطى الأمريكى، رغم بنائه الدستورى المتين، يعتمد بشكل كبير على التقاليد السياسية والأعراف غير المكتوبة، وهنا تكمن هشاشته.
ما حدث فى عهد ترامب كشف أن المنظومة قد تنهار إذا قرّر القادة الاستغناء عن هذه الأعراف.
لجأ «ترامب» إلى تسييس الحقائق، عبر هجومه المتواصل على وسائل الإعلام ووصفها بـ«عدو الشعب». شكك الرئيس فى مفهوم الحقيقة ذاتها، وانقسم الرأى العام، وتقلص مساحة الحوار الديمقراطى المتفق عليها بين كل الأطراف.
وتسبّب «ترامب» فى تآكل الثقة فى الانتخابات الرئاسية، بعد رفضه الاعتراف بهزيمته فى (2020)، وترويجه لما وصفه بـ«الاحتيال الانتخابى» دون تقديم دليل واحد، ووصلت الأزمة إلى ذروتها فى اقتحام أنصاره مبنى الكابيتول فى يناير 2021، لعرقلة وصول الرئيس الفائز «جو بايدن» للمكتب البيضاوى.
وكشف «ترامب» أيضاً ضعف الحياة الحزبية، بعد استسلام الحزب الجمهورى لسيطرته، كما أكد عجز الأحزاب عن لعب دورها (التقليدى) كرقيب على السلطة التنفيذية.
وبالمراجعة المتأنية لكل تلك الظواهر، يتبين أنها لم تكن جديدة تماماً، لكن «ترامب» استغلها ببراعة، وفقاً لحساباته الخاصة.
لم تكن سياسات ترامب مجرد خروج عن المألوف، بل كانت اختباراً حقيقياً للديمقراطية الأمريكية، وكشفت وهم النموذج الذى روّجت له واشنطن لعقود، وشهد العالم كيف يمكن للرئيس أن يكشف ظهور هذا النموذج، وما زال يواصل مهمته هذه خلال فترة رئاسته الثانية.