فى اجتماع الحكومة الأمنية المصغرة يوم الجمعة الماضى، أقر المستوى السياسى فى الحكومة الإسرائيلية خطة توسيع الحرب على غزة ومن ضمن الخطة إعادة احتلال قطاع غزة بالكامل، وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش زعيم حزب الصهيونية الدينية عاد ليكرر تصريحاته المؤيدة لاحتلال غزة وقال بعد اجتماع الكابينت إن جميع سكان قطاع غزة سيتم إخلاؤهم إلى الجنوب من محور موراج، مؤكداً أن المجلس الوزارى المصغر (الكابينيت) قرر عدم سحب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة مقابل صفقة تبادل أسرى.
تعمل حكومة نتنياهو ومجلس الحرب على كيفية تنفيذ هذه الخطة بكل قوتهم، رغم المعارضة الشديدة التى يواجهونها من الداخل الإسرائيلى ومؤسسة الجيش لما تحمل من مخاطر عدة على دولتهم، لكن اليمين المتطرف يدفع الحكومة نحو تنفيذ هذا الهدف الذى خرج من نطاق السرية إلى الجهر به فى كل تصريحاتهم، بل والتأكيد أنه السبيل الوحيد لوقف الحرب واستعادة الرهائن. لكن ماذا لو استطاعت إسرائيل تنفيذ خطتها بإعادة احتلال القطاع؟ وكيف سيكون الوضع السياسى والعسكرى فيه؟ وهل لدى إسرائيل القدرة على إدارة القطاع والصمود العسكرى أمام التحديات التى ستفرضها المقاومة الفلسطينية فى ضوء هذا الوضع الجديد؟
هناك من ضمن الشروط المحيطة بالحرب ما قد يمكّن إسرائيل من تنفيذ خطة الاحتلال الكامل للقطاع، ومن ضمنها التأييد الأمريكى والصمت الدولى إزاء ما يحدث فى غزة، لكن هناك أيضاً ما يعيق مثل هذا التدبير المتأخر، فمن ناحية لن يتمكن الجيش الإسرائيلى من إجبار أهل غزة برمتهم على النزوح جنوباً ولنتذكر أنه حاول تحقيق هذا بدءاً من الشهر السادس من العام الماضى، غير أن مئات الآلاف من سكان الشمال رفضوا النزوح وتمسكوا بأرضهم وبيوتهم على الرغم من الضربات الهستيرية التى وجهت لهم ومن الأعداد المهولة للضحايا الذين سقطوا بنيران الصواريخ والقذائف الإسرائيلية، ومن الحصار الخانق والمنع الكامل لدخول المواد الغذائية إليهم، ومن ناحية ثانية فإن احتلال القطاع يعد أمراً مجازياً نوعاً ما، إذ إن الجيش الإسرائيلى حتى قبل الانسحاب النهائى من القطاع لم يكن يسيطر على المدن والبلدات الكبرى، بل كان يوجد فى المساحات غير المأهولة والشوارع الرابطة بين المدن والقرى، وبالتأكيد فلن يجازف الآن بالدخول والاستقرار فى عمق الأحياء المأهولة بالسكان باعتبار أن هذا يعد فخاً مميتاً عانى منه الجيش الإسرائيلى بسقوط عشرات القتلى والجرحى فى صفوفه وتدمير المئات من عتاده ومركباته ودباباته، وعلى ذلك يبدو أنه من المرجح أكثر توسيع العملية العسكرية بإنشاء خطوط امتداد عرضية تمتد من الحدود الشرقية للقطاع إلى البحر، حيث تفصل الشمال عن غزة، وغزة عن الوسطى، والوسطى عن خان يونس، وخان يونس عن رفح، لكن ثمة احتمالات أخرى لا يمكن الاستهانة بها مثل أن التهديد بالاحتلال الكامل يمثل ورقة ضغط يمكن المساومة بها فى المفاوضات مع حماس لتحقيق مكاسب أكبر، والأمر بالطبع لا يتعلق بعدد الأسرى الذين تطالب إسرائيل بتحريرهم، بل يتعلق بمكاسب إضافية ذات صلة بوجود قيادات حماس فى غزة، أو نزع سلاح حماس وفصائل المقاومة الأخرى، أو إرغام أطراف ثالثة على التدخل من خلال تشكيل قوة عسكرية مختلطة تتولى إدارة القطاع ومنع حماس من السيطرة وإفقادها القدرة على التحكم بشئون القطاع.
فى كل الأحوال وعلى الرغم من كل الضجيج المفتعل فى إسرائيل، فإن الحركة على الأرض ما زالت تتصف بالحذر الشديد والتمهل خشية تكرار سيناريو الكمائن التى وقع فيها الجيش الإسرائيلى خلال الحرب وقبل الهدنة، ولعل هذا يعكس رؤية غير واضحة وغير مكتملة لدى القيادات الإسرائيلية العسكرية والأمنية التى تحاول منع القيادة السياسية من الإفراط فى التفاؤل ورسم أهداف قد يكون من غير الواقعى انتظار تحقيقها.