رفعت رشاد يكتب: الصين أم العجائب

كتب: عمرو هلال

رفعت رشاد يكتب: الصين أم العجائب

رفعت رشاد يكتب: الصين أم العجائب

كنا نردد وراء صلاح جاهين أغنيته اللطيفة «الهند أم العجائب» التي غنتها السندريلا سعاد حسني في مسلسل «هو وهي»، لكن الآن علينا أن نبدل الأغنية لتكون «الصين أم العجائب»، فقد صارت الصين لا تتوقف عن إدهاش العالم بما تقدمه من إنجازات وابتكارات تتجاوز الخيال، وتكاد تُعدّ معجزات بشرية في ميادين متعددة، فمن دولة نامية تعاني الفقر والتخلف إلى عملاق اقتصادي وتكنولوجي يحفر بصمته في كل مجال، استطاعت الصين خلال العقود الأربعة الأخيرة أن تقلب موازين التقدم العالمي، مستندة إلى إرادة سياسية صلبة، وخطط علمية دقيقة، وولاء شعبي نادر لنموذج التنمية.

قالت للعالم: لا شيء يعجز الإرادة إذا امتلكت الرؤية، لم تكن ثروتها الطبيعية أكبر من غيرها، ولم يكن ماضيها القريب أفضل من ماضينا، لكنها حملت المعول بيد، والعقل باليد الأخرى، وانطلقت تبني، وتبتكر، وتبدع، حتى صار اسمها قرينا للإنجاز السريع، والدقة المتقنة، والفكر المتجاوز لكل مألوف.

من مدن تُبنى في أيام، إلى جسور تطير فوق الغابات والجبال، ومن قطارات تحلق دون عجلات، إلى صحارى تُزرع وتخضرّ، تسير الصين في طريق لا يشبه سواها. إنها لا تُقلّد أحدًا، بل ترسم ملامح المستقبل، وتقدّم للعالم درسًا في كيف يصنع الإنسان المعجزة إذا اجتمعت في قلبه الشجاعة، وفي عقله الفكرة، وفي روحه الإيمان بالعمل.

من أبرز ما أذهل العالم في السنوات الأخيرة، قدرة الصين على إنشاء مساكن وناطحات سحاب في وقت قياسي لا يكاد يُصدق. فقد استطاعت شركات صينية بناء مبانٍ من عشرات الطوابق خلال أيام معدودة. ففي مقاطعة هونان، شُيّد برج مكوّن من 57 طابقًا في أقل من ثلاثة أسابيع، باستخدام تقنيات البناء المعياري مسبق الصنع. هذه الطريقة المبتكرة لا تقلل الوقت فقط، بل تضمن أيضًا دقة هندسية مذهلة، وجودة بيئية أفضل، وتكلفة أقل.

ولعل من أعظم إنجازات الصين في مجال البنية التحتية هو بناؤها أعلى الجسور وأطولها في العالم. الجسر المعلق، الذي يعبر واديًا عميقًا بين الجبال، يُعد الأعلى عالميًا، بارتفاع يتجاوز 560 مترًا فوق سطح الوادي، وهو ما يعادل ناطحة سحاب مكونة من 200 طابق. هذا الجسر ليس استثناء، بل حلقة في سلسلة مشاريع جبارة ربطت آلاف القرى النائية بالمدن، وسهلت الحركة عبر الطبيعة الوعرة، مبددة عزلتها التاريخية.

في مجال البيئة والزراعة، تقف الصين على خط المواجهة مع التصحر، ونجحت فعليًا في تحويل مناطق قاحلة إلى أراضٍ زراعية منتجة. ففي صحراء كوبوتشي، إحدى أكثر الصحارى تقدمًا نحو المدن، طورت الصين تقنية بيولوجية تسمح بتثبيت الرمال عبر طحالب وبكتيريا محلية، تمتص الرطوبة وتشكل غطاءً طبيعيًا يمنع زحف الرمال. هذه التكنولوجيا غيرت وجه الصحارى، وجعلت من الرمال بيئة خصبة لزراعة الخضراوات والفواكه، في معجزة زراعية بيئية مذهلة.

أما في عالم النقل فالصين سبّاقة في تطوير القطارات الفائقة السرعة. فبجانب شبكتها الهائلة للقطارات التقليدية السريعة، اختبرت قطارات "ماجليف" المغناطيسية التي تطير فوق القضبان دون احتكاك، بسرعة تقارب 600 كيلومتر في الساعة. هذه التكنولوجيا تُعد ثورة في النقل الجماهيري، وقد تطبق قريبًا في ربط المدن الكبرى خلال نصف الوقت المعتاد.

وفي المجال التكنولوجي، بنت الصين مدنًا ذكية من الصفر، تعتمد على الذكاء الاصطناعي في إدارة المرور، والقمامة، والإضاءة، وحتى الأمن. ومن خلال كاميرات ذكية مرتبطة بقاعدة بيانات وطنية، تستطيع الشرطة التعرف على المطلوبين خلال ثوانٍ، وسط جموع المارة. هذا المستوى من التحكم الرقمي، رغم الجدل حوله، يمثل ذروة ما توصلت إليه تقنيات الإدارة الحضرية الحديثة.

لم تعد السماء حدودًا للصين، فبرنامجها الفضائي يتقدم بخطى واثقة نحو الريادة. فقد أطلقت الصين محطة فضائية خاصة بها، واستكشفت القمر والمريخ، بهدوء واحتراف. مسبار «تيانوين-1» هبط بنجاح على المريخ، في إنجاز لم تسبقه إليه إلا الولايات المتحدة. وهذا يعني أن الصين تملك الآن قدرة مستقلة على غزو الفضاء.

تقود الصين العالم في تطوير الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته، من الترجمة الفورية، إلى التشخيص الطبي، والتجارة الإلكترونية. وتبني مصانع كاملة تعتمد على الروبوتات، وتطور تقنيات التعليم الإلكتروني المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتعليم ملايين الأطفال بكفاءة مذهلة، حتى في القرى النائية.

وفي ميدان الطاقة، تتجه الصين بقوة نحو مصادر الطاقة المتجددة، فتبني أكبر محطات الطاقة الشمسية والرياحية في العالم. مشروع «الصحراء الشمسية» الذي يغطي آلاف الكيلومترات بلوحات شمسية هو محاولة استراتيجية لتحويل الصين من أكبر ملوّث إلى قائد عالمي في مكافحة التغير المناخي.

هذه الإنجازات ليست مجرد تطورات مادية، بل أدوات لصناعة القوة الناعمة. فالعالم اليوم يراقب الصين بإعجاب، ويتعلم منها، ويستورد ابتكاراتها. ومن خلال مبادرة «الحزام والطريق»، تصدر الصين هذه الإنجازات إلى عشرات الدول، وتعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية العالمية.

ليست الصين بلدا للمعجزات بالصدفة، بل نتيجة رؤية، وصبر، وتجريب، وثقافة تقدس العمل والعلم. حولت أفكارها إلى مشاريع، وأحلامها إلى واقع . ومن يتأمل ما فعلته، يدرك أن المستقبل ليس لمن يملك الثروة، بل لمن يملك الإرادة والخيال والعمل الجاد.