«فرقة العمال المصرية».. قصة اختطاف نصف مليون شاب من «الدار للنار»

كتب: إلهام الكردوسي

«فرقة العمال المصرية».. قصة اختطاف نصف مليون شاب من «الدار للنار»

«فرقة العمال المصرية».. قصة اختطاف نصف مليون شاب من «الدار للنار»

يكشف كتاب «فرقة العمال المصرية»، الصادر عن المركز القومى للترجمة، تأليف كايل جون أندرسون وترجمة شكرى مجاهد ومحمد صلاح على، فصلاً من فصول النهب الذى تعرّض له الوطن على يد المحتل. إذ نهب الاستعمار البريطانى الاقتصاد والثروات، بما فى ذلك البشرية، ليُظهر هذا الكتاب ملامح جديدة من الوجه القبيح للاستعمار فى القرن العشرين، وممارساته فى الدول المُستَعمَرة، وعلى رأسها مصر خلال الحرب العالمية الأولى، فى إطار سلسلة من صور الاستغلال التى عانت منها الشعوب المحتلة على مدار عقود.

يروى الكتاب القصة المنسية لفرقة العمال المصرية، ويسلط الضوء على تجربة هؤلاء الرجال خلال الحرب، حيث استغلت الدولة الاستعمارية البريطانية تاريخ العمالة المهاجرة من الريف المصرى لتجنيد نصف مليون شاب فى هذه الفرقة. ويقول المؤلف: «بدأ رجال الحكومة جلب عمال الفرقة عبر مقاولى الأنفار، وبذلك عينوا آلاف الشباب بعقود مدفوعة. وما لبث أن صار غالب اعتماد الدولة الاستعمارية فى جلب العمال على العمد وغيرهم من موظفى وزارة الداخلية»، ويتتبع الكتاب مسيرة هؤلاء العمال حتى الثورة المصرية فى عام 1919.

يهدف المؤلف إلى توثيق تجربة فرقة العمال المصريين فى الحرب العالمية الأولى، وهى تجربة قلما تم توثيقها، بل تعد من المساحات الفارغة فى سجلات تلك الحرب، خاصة فى الروايات الغربية الناطقة بالإنجليزية، التى تجاهلت عمداً قصص الرجال «غير البيض» الذين عملوا خلف خطوط الجبهة، فى الوقت الذى كان الجنود الأوروبيون يعودون فيه إلى أوطانهم ملفوفين بالمجد.

ويشير المترجم فى مقدمته إلى أن عبارة «غير بيض» تمثل مفتاحاً تحليلياً مهماً لفهم الكتاب، موضحاً أن العِرق كان العدسة الأساسية التى نظر بها المعاصرون إلى هذه الفرقة. ويوازى فى الأهمية مصطلح «الأجناس التابعة»، الذى يحمل دلالات سياسية تستند إلى مزاعم علمية دعمت التراتبية العرقية، وهو مفهوم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بنظرية التطور الداروينية.

خلال الحرب، فرض البريطانيون الأحكام العرفية فى مصر، وجنّدوا آلاف الشباب، كان أغلبهم من الريف، كثير منهم بالقوة، للعمل كعمال عسكريين فى أوروبا والشرق الأوسط. فقد عملوا فى شحن وتفريغ السفن فى فرنسا وإيطاليا، وحفروا الخنادق فى جاليبولى، وساقوا الجمال المحملة بالمؤن فى صحارى ليبيا والسودان وسيناء، وفرضوا النظام فى بغداد المحتلة. كما شاركوا فى عمليات التقدم البريطانى عبر فلسطين ونحو سوريا، التى كانت أكبر مسارح الحرب. وبنت فرقة العمال مئات الأميال من السكك الحديدية وأنابيب المياه الواصلة بين مصر وفلسطين، التى أصبحت لاحقاً أساس البنية التحتية للإمبراطورية البريطانية لعدة أجيال.

ووفق المترجم، فإن من اللافت أن أغلب من ساهموا فى جمع المادة العلمية التى استند إليها المؤلف هم من الأوروبيين الذين دفعتهم الرغبة فى مراجعة الروايات التاريخية الأوروبية التقليدية المليئة بالثغرات حتى كادت تفقد مصداقيتها. فهؤلاء العمال «لم يكونوا من البيض ولا من حملة السلاح، فقد كانوا يحملون الفؤوس وغيرها من أدوات الحفر والبناء والنقل، وكانوا ينفذون كل الأعمال المطلوبة.. باستثناء القتال».

ويشير الكتاب أيضاً إلى أشكال المقاومة التى بدأها المصريون لهذه الممارسات، إذ انضم البعض طوعاً، لكن كثيرين جُندوا قسراً. ومن دلائل الرفض، الجهود التى بذلها الشباب للفرار من الخدمة، ومحاولاتهم التفاوض مع موظفى التجنيد أو إفساد عملهم أو مقاومتهم. وقد لجأ المجندون وأسرهم إلى تقديم الالتماسات لوزارة الداخلية، كما استخدم الرجال والنساء العنف لمنع ضمهم إلى فرقة العمال، حيث كانت أكثر صور المقاومة شيوعاً هى الاشتباك مع موظفى التجنيد أثناء محاولاتهم اختطاف الشباب من الطرقات أو المنازل.

أما عن صور معاملة هؤلاء العمال، فقد بدأ كثير منهم رحلتهم إلى الجبهة سيراً على الأقدام إلى أقرب مركز أو عاصمة مديرية، وكانوا يُربطون أحياناً معاً بحبل سميك حول جذوعهم لمنعهم من الهرب. وناموا على الأرض فى غرف احتجاز مزدحمة حتى وصول مفتشى الصحة البريطانيين. وبعد اجتياز الكشف الطبى، نُقلوا بالقطار إلى مستودعات التموين أو معسكرات التوزيع، غالباً فى القاهرة أو الإسكندرية.

وخلال الحرب، اضطلعت الفرقة بكل المهام اللوجيستية، من تحميل وتفريغ السفن، ونقل المؤن عبر الصحراء، إلى شق الطرق ومدّ السكك الحديدية وأنابيب المياه، وغيرها من الأعمال الشاقة. وكان أهم أعمالهم هو مدّ السكك الحديدية عبر سيناء إلى داخل فلسطين.

ويرى المؤلف أن رفض العمال للتجنيد القسرى، والمعاملة التى يتلقونها، كانا من العوامل التى أسهمت فى صعود موجة من المقاومة العنيفة اجتاحت الريف فى صيف عام 1918، أى قبل عام من القبض على سعد زغلول ونفيه مع أعضاء الوفد. وكان زغلول على علم بتلك الاحتجاجات منذ مايو 1918، وقد دفعه ذلك لتبنى قضيتهم والدفاع عنها قبل اندلاع ثورة 1919.

ويحتوى الكتاب على توثيق شامل لهذه التجربة المنسية، ويستند إلى مجموعة من المصادر والمراجع، ويضم صوراً ووثائق وجداول تدعم محتواه.


مواضيع متعلقة