عمار علي حسن يكتب: الحلقة العلمية المفقودة (2)
عمار علي حسن يكتب: الحلقة العلمية المفقودة (2)
فى مقال الأمس تناولت الحلقة العلمية المفقودة كما تتصورها علوم عدة، أما هى فى علم الجيولوجيا فتكون الفجوة القائمة فى التطور البنائى أو الصخرى، إذ تتوالى الصفائح بعضها فوق بعض من الأقدم إلى الأحدث، وكل منها تنتمى إلى عصر معين، الجوراسى أو الإيوسين أو الكريتاوى مثلاً، لكن قد نعثر فى عمود جيولوجى واحد على العصر الأول والثالث ولا نجد ما ينتمى للثانى، فيكون بوسعنا أن نقول إننا أمام فراغ.
وعلينا فى هذه الحالة أن نعكف على تفسير أسبابه باستخدام العديد من مناهج التأريخ مثل علم الخصائص الحجرية، ودراسة البنى الأساسية، ومقارنة الطبقات الأرضية بعضها ببعض، ورصد اللاتوافق فى الطبقات الأرضية، واستخدام المقياس الإشعاعى وغيرها، حسبما أفادنى أستاذ الجولوجيا بجامعة حلوان الراحل د. يحيى القزاز، لكن كل هذه المناهج ليس بوسعها أن تجعل الجيولوجيين يفهمون الزمن حق الفهم، حتى لو كانت لديهم رؤية له قد تكون أشد واقعية مما يراه عموم الناس.
لذا يبدو علم الجيولوجيا، بوصفه المهتم بدراسة نشأة الأرض وعمر الصخور وكيفية تحرك الطبقات أو الصفائح التكتونية على اختلاف سُمكها، هو علم يعانى من وجود فراغات، بل يزيد فيه الفارغ على الممتلئ، ولذا يكون عليه أن يصنع مادته من حصيلة التفسير والتكهن والتوقع وليست الحقائق الدامغة.
فحتى الآن لا يعرف العلماء كيف تتحرك الصفائح؟ وما هى الأعمار الدقيقة للصخور؟ وما هو مستوى توافق صخرة ما مع بيئتها أو العصر الذى يمكن أن تحال إليه؟ وأى إجابات تأتى هنا هى اجتهادات أو دراسات اليوم، يمكن أن تأتى دراسات أخرى فى الغد، تناقضها وتدحضها.
فالجيولوجيا تتعامل مع الغموض الهائل الذى يلف ما هو موجود فى باطن الأرض، وأغلبه لا يزال مجهولاً، على النقيض من الجغرافيا والطوبغرافيا اللتين تتعاملان مع ما هو موجود على السطح، والمعروض أمام العيون والأسماع كحقائق ظاهرة.
وقد انتقل مفهوم الحلقة المفقودة من المسائل البيولوجية والجيولوجية إلى الممارسات الإنسانية، فوجدنا من يتناوله فى الحضارة العربية القديمة من خلال إعادة النظر المتمهل فى النقوش، التى سبق أن قرأها المستشرقون حسب اللفظ العبرى التوراتى، باللغات القديمة مثل الأكادية بفرعيها الأشورى والبابلى، والأبلاتية، والكفانية، والآرامية، وهى لهجات عربية كتبت بأنواع مختلفة، مستعملاً طريقة تعتمد على المعلومات التاريخية المتوفرة، والخطوط القديمة، والخيال العلمى، بما يخلص ما استقر فى بطون الكتب العربية التى تم تألفيها فى ظل الإسلام من تأثير «الإسرائيليات» التى لا يزال العرب يرون من خلالها بعض تاريخهم فى القرون الوسطى، وما قبلها.
بل إننا نجد من يتحدث عن حلقة مفقودة فى مسائل معرفية جزئياً مثل «النحو العربى» مثلاً، ويرى أنه لم يكن له وجود قبل عالم النحو سيبويه (765 - 796م) والشاعر وواضع علم العروض الخليل بن أحمد الفراهيدى (718 - 786 م)، نظراً لغياب المراجع التى تلقى الضوء على هذه المرحلة، الممتدة من عالم النحو أبوالأسود الدؤلى (603 688 م) إلى سيبويه.
لكن هناك من يرد على هذا ويرى أن كتاب الأخير ما كان له أن يولد ناضجاً إلا لو كان قد مثَّل فى زمنه ذروة جهد تراكم فى هذا المجال، وهو إن اختلفت الروايات حول بداياته، فإن وجوده يبدو منطقياً.
وفى العموم، يختلف مفهوم «الحلقة المفقودة» وتعريفاتها ودلالتها وفق السياق أو المسار أو المجال أو الحالة التى يرد فيها، فإذا كنا فى معرض الحديث عن التقدم التقنى يكون معناها المساحة الناقصة فى المعارف والخبرات الفنية والتكنولوجية. وإذا كنا بصدد تناول قضية التخلف الاقتصادى تدور الحلقة المفقودة حول الأسباب التى تحول دون تحسين الإمكانيات المادية للدولة ومن ثم جلب السلام الاجتماعى.
وفى القانون الدولى قد تكون الحلقة المفقودة، تتعلق بمدى نجاعة المحكمة الجنائية الدولية، ويصبح غياب التنسيق بين بعض الوزارات والإدارات المعنية هو الحلقة المفقودة فى سياسات التشغيل مثلاً، وبوسعنا أن نعتبر أن نزع السلاح هو الحلقة المفقوة فى وثيقة الأمم المتحدة الحالية، وعلى المنوال ذاته بوسعنا أن نبحث عنها فى كل ما حولنا من أفكار وتدابير.