عمار على حسن يكتب: الحلقة العلمية المفقودة (1)

كتب: أحمد فكري

عمار على حسن يكتب:  الحلقة العلمية المفقودة (1)

عمار على حسن يكتب: الحلقة العلمية المفقودة (1)

فى معناها البسيط أو المباشر، تعنى الحلقة المفقودة Missing Link وجود فراغ ما، يقطع التواصل المادى للأحياء أو الأشياء أو المعلومات والمعارف حولها، وهو فراغ قد يضيق تباعاً مع التقدم العلمى، لكن ليس هناك ما يمنع من أن يزيد أحياناً، حين تقود التجارب إلى أبواب أخرى مجهولة، تترك العلماء فى حيرة، وتجعلهم موقنين من أن مثل هذا الفراغ لن يتلاشى لأن الوصول إلى الحقيقة كاملة ودامغة صعب إن لم يكن مستحيلاً، وهو أمر لا يعبر عنه أفضل من قول شهير لأينشتاين: «كلما ازددت علماً، ازداد إحساسى بجهلى»، وقبله بكثير، قول الفقيه محمد بن إدريس الشافعى (767- 820 م):

«كلما أدَّبنى الدهر... أرانى نقص عقلى

وكلما ازددت علماً... زادنى علماً بجهلى».

وموضوع «الحلقة المفقودة» ممتد من الكبير إلى الصغير، فهو مربوط بأساس الحياة على الأرض، ومنها يتجلى فى فروع وقضايا جزئية شتى. وبالنسبة للكبير منه، يرى بعض العلماء أن هناك حلقة وصل بين الإنسان والحيوان الأعجم قد تم فقدانها، وليس هناك ما يمنع من اكتشافها فى يوم ما. وفريق يرى أن الانفصال بينهما أصلى، ولم يكونا متصلين أبداً.

وتحدَّث عباس محمود العقاد عام 1955 عن العثور فى بكين على بقايا الحيوان المتوسط بين العجماوات والحيوان الناطق، والتى وُجدت أيضاً فى وادى الراين بألمانيا وسُميت ببقايا إنسان النياندرتال (Neanderthal Man). ثم قاد التطور العلمى والبحث الدؤوب، فيما بعد، إلى العثور على الحلقة المفقودة للكيفية التى تطوََّر بها الوجه لدى الإنسان الحديث حتى صارت ملامحه أكثر رقة ووداً، عبر التدجين، واختيار الأجمل، والاعتماد على التفاعلات الاجتماعية المسالمة، حسبما أفادتنا العديد من المراجع العلمية.

ورغم توالى حديث العلماء عن التطور الذي سار فيه الإنسان، والذى تهادى فى أنماط متتابعة من الجنس البشرى، مثل إنسان جاوة، وإنسان هيلدبرج، وإنسان نياندرتال، وإنسان بليدوان، والسيد هيسبير أوبوتيكس، والسيدة قرينته، وأوتابينجا، فإن وجود حلقة مفقودة ظل يطاردهم. وقد تحدَّث عالم التاريخ الطبيعى والجيولوجى البريطانى تشارلس داروين (1809- 1882م) فى كتابه الشهير «أصل الأنواع» عن هذه المسافة الفارغة بين الموجودات القديمة وبين ما تم تسجيله بشكل مؤكد من الكائنات الحية، بحيث أصبحنا نرى قصوراً فى «السجل الجيولوجى»، نظراً لعدم وجود الأشكال الانتقالية للأحياء مطمورة فى القشرة الأرضية، بوصفها متحفاً هائلاً. وهنا يقول: «إننى مؤمن بأن هذا السجل أقل كمالاً بشكل فائق مما هو من المفروض أن يكون عليه على وجه العموم».

إن شجرة التطور الإنسانى لا تزال بحاجة إلى أن تمتلئ بأنواع سابقة يمكن أن توضع تحتها، ثم نعود فى الزمن إلى الوراء لنفهم كيف كانت الهيئة التى يظهر عليها أسلافنا نحن البشر منذ ستين مليون ومائة مليون سنة، فالحقيقة أن «هناك الكثير من الحلقات المفقودة، لأننا تقريباً فى حاجة إلى كل شىء، ولا نزال نعبث فى الظلام، ولا تتوافر لدينا سوى قطعة هنا وأخرى هناك. ولذلك لا يمكننا رؤية صورة جيدة لتطور الرئيسيات، فهناك عدة مئات من الآلاف من القطع التى نحتاج إلى العثور عليها لفهم اللغز بأكمله»، حسبما يقول كولين تادج وجوش يونج فى كتابهما «الحلقة المفقودة.. الكشف عن الأصل البشرى الأول».


مواضيع متعلقة