رفعت رشاد يكتب: الهند وباكستان أمة منقسمة.. يردعهما النووي
رفعت رشاد يكتب: الهند وباكستان أمة منقسمة.. يردعهما النووي
تصاعد في الآونة الأخيرة خطر الحرب الشاملة بين الهند وباكستان، الجارتين النوويتين اللتين خرجتا من رحم أمة واحدة قبل 78 عامًا. وبينما يظن البعض أن التهديد النووي بات من الماضي، إلا أن تطورات الأسابيع الأخيرة تُنبئ بخطر فعلي، قد يحوّل النزاع الإقليمي إلى كارثة عالمية.
منذ تفجير الهند أول قنبلة ذرية عام 1974 في "بوكرا"، ثم رد باكستان عام 1998 بتفجيرات نووية متزامنة في "تشاغاي"، حافظ الطرفان على توازن رعب منع نشوب حرب شاملة، رغم اندلاع عدة أزمات حدودية. إلا أن المواجهة الأخيرة – التي بدأت بهجوم دموي في كشمير الهندية في أبريل 2025 – تختلف في توقيتها ونوعيتها.
فقد ردّت الهند بصواريخ استهدفت قرى داخل باكستان لأول مرة منذ 1999، مما استدعى ردًا مباشرًا من الجيش الباكستاني على منشآت هندية عسكرية.
وكان لافتًا هذا التحوّل من "حروب الوكلاء" إلى الاشتباك المباشر، وسط صمت دولي مريب وخوف من لحظة يفقد فيها أحد الطرفين أعصابه، ويضغط الزر النووي.
حين جرى تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947 إلى دولتين: الهند ذات الأغلبية الهندوسية، وباكستان ذات الأغلبية المسلمة، رافق التقسيم واحدة من أعنف موجات التهجير الطائفي في التاريخ الحديث، راح ضحيتها نحو مليون شخص، وشرّد قرابة 15 مليونًا.
ومنذ اللحظة الأولى، تحوّل الشعب الواحد إلى خصمين، وخاضا ثلاث حروب في أعوام 1947، و1965، و1971.
الحرب الثالثة تحديدًا كانت مهينة لباكستان؛ فقد دعمت الهند انفصال باكستان الشرقية، التي أصبحت بنغلادش، مما خلّف في إسلام آباد عقدة أمنية دفعت قادتها إلى تبنّي خيار الردع النووي كضرورة وجودية لا رفاهية استراتيجية.
في أعقاب الهزيمة، اتجه ذو الفقار علي بوتو، رئيس الوزراء الباكستاني حينها، إلى خيار امتلاك السلاح النووي. فجاءه عرض لا يُرفض من عالم شاب يعمل في منشأة تخصيب أوروبية سرية: عبد القدير خان الذي ولد في عام 1936 في الهند قبل التقسيم، وهاجر مع أسرته إلى باكستان، وتلقى تعليمه العالي في ألمانيا وبلجيكا وهولندا.
تمكّن خان خلال عمله في منظمة "يورنكو" الهولندية من نسخ تصاميم أجهزة الطرد المركزي، ونقلها إلى بلاده، حيث أسّس "مختبرات خان للأبحاث" في كاهوتا.
وبفضل ما وصفه خصومه بـ"الهندسة العكسية وعبقرية المخابرات"، أنجز البرنامج النووي خلال عقدين ما يستغرق غيره نصف قرن.
في 28 مايو 1998، فجّرت باكستان خمس قنابل نووية في سلسلة تجارب وصفتها بـ"رد العزة"، بعد أيام فقط من التجربة الهندية. دخلت باكستان بذلك نادي القوى النووية السبعة، وأصبحت الدولة الإسلامية الأولى – والوحيدة حتى اليوم – التي تملك السلاح الذري.
ساهم امتلاك القنبلة في إعادة تشكيل عقيدة الردع في جنوب آسيا، فبات الصدام المباشر مكلفًا للغاية، وهو ما أعاد الصراع إلى حرب منخفضة الحدة تشمل استخدام الجماعات المسلحة والضغوط الدبلوماسية، والتلاعب بالحدود. هذا التوازن الهش بدأ يتآكل مع صعود القومية الهندوسية في الهند، وتصاعد النفوذ العسكري في السياسة الباكستانية.
في حين تعتمد الهند على عقيدة "الرد الساحق في حال الهجوم"، تتبنى باكستان سياسة "الرد النووي التكتيكي المبكر" لمنع اجتياح بري هندي.
أحدث الاشتباك العسكري الذي اندلع مؤخرا، بعد مقتل العشرات من السياح والمدنيين، حالة من الرعب العالمي. فالدولتان تمتلكان معًا أكثر من 300 رأس نووي، إلى جانب نظم صواريخ باليستية قادرة على بلوغ العواصم الكبرى للطرف الآخر خلال دقائق.
يرى محللون أن ما يزيد من خطورة الموقف هو وجود جماعات غير منضبطة داخل كشمير، قد تُشعل فتيل الحرب في أي لحظة، إضافة إلى ضعف قنوات التواصل العسكري المباشر بين الطرفين مقارنة بالحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفيتي سابقًا.
رغم التحذيرات التي أطلقها الاتحاد الأوروبي والصين، فإن ردود الفعل الدولية ظلت خجولة، وسط انشغال الولايات المتحدة بأزماتها الداخلية والصراعات في الشرق الأوسط.
وتلعب روسيا دور المراقب القريب دون تدخل مباشر، بينما تراهن واشنطن على استمرار "توازن الردع"، متجاهلة الطبيعة المتقلبة للقيادات السياسية والعسكرية في البلدين.
في العالم الإسلامي، اعتُبر امتلاك باكستان للقنبلة النووية لحظة فخر تاريخي، لكن بقي السلاح حبيس التهديد دون ترجمة إلى مكانة استراتيجية حقيقية.
لم ينعكس الردع النووي في موقع باكستان الدولي أو اقتصادها، بل تحولت إلى دولة تعتمد على المساعدات، وتواجه اتهامات بتهريب التقنية إلى دول مثل إيران وكوريا الشمالية، وهي الاتهامات التي لطّخت سمعة عبد القدير خان لاحقًا، رغم نفيه أي تجارة شخصية.
في ظل انقسام عرقي وديني حاد، وتنافس قومي متوحش، وغياب تدخل دولي جاد، يظل خطر الانزلاق إلى حرب نووية قائمًا، فالهند وباكستان ليستا فقط خصمين إقليميين، بل نموذجًا فريدًا لأمة واحدة تمزقت، فحملت كل شظية سلاحًا نوويًا تهدد به الأخرى.