شيماء البرديني تكتب: الشيطان تلميذًا

كتب: أحمد فكري

شيماء البرديني تكتب: الشيطان تلميذًا

شيماء البرديني تكتب: الشيطان تلميذًا

بمحاذاة الرصيف وقف، خطوات بسيطة تفصله عن المكان.. لم يستجب لكل محاولات منعه من التصوير، بل صاحب مقطعه المصوَّر تعليق صوتى يصف فيه الغش التجارى الذى تعرَّض له، وأنه لا سبيل له سوى فضحهم عبر السوشيال ميديا، مطالباً متابعيه وكل اللى يحب النبى بمقاطعة مماثلة.. يدور المشهد برمته أمام كاميرا آخر، قرر أن يرصد كيف يبتز البلوجر المشهور أحد المحال، مصاحباً مقطعه المصوَّر بتعليق صوتى أيضاً مفاده رواية ما يحدث أمامه من وجهة نظره وهو المار صدفة بواقعة قد تهم ملايين، أو قد تحصد الملايين. من داخل المكان، أحدهم يجلس على الكمبيوتر الخاص بكاميرات المراقبة، يحرك الكاميرات فى اتجاه الرجل الذى يسجل بهاتفه ما يشبه إدانة المكان، وفى ذهنه هو الآخر أنه يجهز دليل البراءة، فى لحظة واحدة توقف الثلاثة عن أفعالهم، السرينة المميزة لسيارات الشرطة تنبئ عن مرور إحداها، لكنه ليس مروراً عابراً، لقد وصلت إلى المكان بفعل بلاغ، قدَّمته الجارة المتابعة للمشهد منذ بدايته، والتى تعتقد أن بلاغها يمنع وقوع كارثة، تعلم أن الأمر سيتطور من وضع التصوير الصامت إلى شجار يُسمع له صوت، إذا ما أطلق أحدهم عياراً نارياً من سلاحه المرخَّص.. هكذا هى عادات المترددين على المكان.

أمام الشرطة لم يكن للجميع سوى مطلب واحد، ليس إثبات التعدى ولا الحديث عن الواقعة، الكل يطالب بمسح الفيديوهات التى سجَّلها للطرف الآخر، قبل أن يبادر أحدهم بإرسالها عبر «الواتس آب» إلى آخر، ومع تعقُّد الموقف وتعالى الأصوات من كل الأطراف، حملت الشرطة الجميع إلى القسم، وهناك للحديث سياق آخر.

أسبوع كامل والفيديوهات التى تظهر بصورة تلقائية عبر منصات التواصل الاجتماعى تجمعها سمة واحدة، كشف عنها ترند «طفل البحيرة»، عشرات الفيديوهات المماثلة لوقائع مؤلمة، جزء كبير من الفيديوهات هو تفريغ كاميرات المراقبة لمؤسسات وأماكن عامة، لكن جزءاً غير يسير عبارة عن اجتهادات مواطنين، قرروا الرصد وتصوير وقائع تمثل، من وجهة نظرهم، جرائم يحاسب عليها القانون. صحيح هو شكل من أشكال الإيجابية التى يجب أن يتحلى بها المواطن، لكن السؤال الذى لا يجد إجابة منطقية: لماذا ينشر المواطن الفيديو على السوشيال ميديا، ولا يقدمه بلاغاً للجهات المختصة التى تتولى الفحص والتحقيق؟

قواعد جديدة بدا أنها صارت عرفاً مجتمعياً، نصور وننشر ونحاكم، ثم نبدأ التحقيقات الرسمية، وهنا يزيد القلق من تأثر التحقيق بالرأى العام، وإلى أن تخرج النتائج الرسمية للتحقيقات، الكل فى دائرة الاتهام، عدا البطل المناضل الذى قرر نشر الفيديو وتحويل ما رصده بزاوية معينة وفق سياق معين إلى قضية رأى عام.. لقد أصبح الوصم على المشاع، والقاعدة سهلة «من يملك الفيديو ملك الحقيقة»، فى حين أن الفيديو وحده ليس سوى طريق للاستدلال على تفاصيل قد تغيب عن ألسنة الشهود.

الأمر برمته أصبح تجنياً على مهنة البحث والتحقق، سواء فى شق المعرفة الذى تتيحه الصحافة وتمارسه بضوابط، أو فى شق الحقوق القانونية الذى تتيحه البلاغات الرسمية، فلا يوجد فى العالم جريمة يكون بلاغها الأساسى فيديو من الفيس بوك، ولا يوجد شاهد على جريمة يُخفى أدلته ويبادر بنشرها قبل تقديمها لجهات التحقيق، ولا يوجد مجتمع له قدرة على التواصل الاجتماعى بمثل هذا الحد الموجود فى مصر بالساعات التى ترصدها مواقع تحليل بيانات المستخدمين والتى لم يبقَ لها سوى الكشف عن نوعية ملابسهم أثناء تصفحهم لمواقع التواصل الاجتماعى.

وإذا كانت العلة فى إجراءات البلاغات، فلماذا لا تبادر الشرطة بمزيد من التيسير، بالإعلان عن خط واتساب أو صفحة معينة يستطيع من خلالها حمَلة فيديوهات الجرائم تقديمها للشرطة، ولماذا لا يبادر المشرع بسن قوانين وعقوبات تنظم نشر فيديوهات المخالفات أو الجرائم، وتُعاملها معاملة الأحراز، وتُرتب على ناشرها عقوبات تدفعه للتفكير ألف مرة قبل الإقدام على النشر على السوشيال ميديا؟! ليس تعتيماً، لكن تحرياً للدقة وللحفاظ على المجتمع من انتشار الجريمة أو أن تسود صورة ذهنية غير حقيقية تنشر الخوف بين المواطنين.

إن ما تابعته، وبشكل شخصى، عبر السوشيال ميديا على مدار أسبوع، من فيديوهات كارثية تؤكد لى أنه هناك، فى أقصى اليسار، وعند حد الزاوية، يتقوقع أحدهم ليرصد فى هدوء ويتعلم فى صمت.. يسأل خالقه فى خشوع لم يُخلق من أجله، من منا الشيطان إذن؟ إذا كانت تهمتى العصيان.. فها هم بنو البشر تهمتهم العدوان، فهل آن لنا أن نتبادل المقاعد؟


مواضيع متعلقة