أمام الشرطة لم يكن للجميع سوى مطلب واحد، ليس إثبات التعدى ولا الحديث عن الواقعة، الكل يطالب بمسح الفيديوهات التى سجَّلها للطرف الآخر، قبل أن يبادر أحدهم بإرسالها عبر «الواتس آب» إلى آخر، ومع تعقُّد الموقف وتعالى الأصوات من كل الأطراف، حملت الشرطة الجميع إلى القسم، وهناك للحديث سياق آخر.
أسبوع كامل والفيديوهات التى تظهر بصورة تلقائية عبر منصات التواصل الاجتماعى تجمعها سمة واحدة، كشف عنها ترند «طفل البحيرة»، عشرات الفيديوهات المماثلة لوقائع مؤلمة، جزء كبير من الفيديوهات هو تفريغ كاميرات المراقبة لمؤسسات وأماكن عامة، لكن جزءاً غير يسير عبارة عن اجتهادات مواطنين، قرروا الرصد وتصوير وقائع تمثل، من وجهة نظرهم، جرائم يحاسب عليها القانون. صحيح هو شكل من أشكال الإيجابية التى يجب أن يتحلى بها المواطن، لكن السؤال الذى لا يجد إجابة منطقية: لماذا ينشر المواطن الفيديو على السوشيال ميديا، ولا يقدمه بلاغاً للجهات المختصة التى تتولى الفحص والتحقيق؟
قواعد جديدة بدا أنها صارت عرفاً مجتمعياً، نصور وننشر ونحاكم، ثم نبدأ التحقيقات الرسمية، وهنا يزيد القلق من تأثر التحقيق بالرأى العام، وإلى أن تخرج النتائج الرسمية للتحقيقات، الكل فى دائرة الاتهام، عدا البطل المناضل الذى قرر نشر الفيديو وتحويل ما رصده بزاوية معينة وفق سياق معين إلى قضية رأى عام.. لقد أصبح الوصم على المشاع، والقاعدة سهلة «من يملك الفيديو ملك الحقيقة»، فى حين أن الفيديو وحده ليس سوى طريق للاستدلال على تفاصيل قد تغيب عن ألسنة الشهود.
الأمر برمته أصبح تجنياً على مهنة البحث والتحقق، سواء فى شق المعرفة الذى تتيحه الصحافة وتمارسه بضوابط، أو فى شق الحقوق القانونية الذى تتيحه البلاغات الرسمية، فلا يوجد فى العالم جريمة يكون بلاغها الأساسى فيديو من الفيس بوك، ولا يوجد شاهد على جريمة يُخفى أدلته ويبادر بنشرها قبل تقديمها لجهات التحقيق، ولا يوجد مجتمع له قدرة على التواصل الاجتماعى بمثل هذا الحد الموجود فى مصر بالساعات التى ترصدها مواقع تحليل بيانات المستخدمين والتى لم يبقَ لها سوى الكشف عن نوعية ملابسهم أثناء تصفحهم لمواقع التواصل الاجتماعى.
وإذا كانت العلة فى إجراءات البلاغات، فلماذا لا تبادر الشرطة بمزيد من التيسير، بالإعلان عن خط واتساب أو صفحة معينة يستطيع من خلالها حمَلة فيديوهات الجرائم تقديمها للشرطة، ولماذا لا يبادر المشرع بسن قوانين وعقوبات تنظم نشر فيديوهات المخالفات أو الجرائم، وتُعاملها معاملة الأحراز، وتُرتب على ناشرها عقوبات تدفعه للتفكير ألف مرة قبل الإقدام على النشر على السوشيال ميديا؟! ليس تعتيماً، لكن تحرياً للدقة وللحفاظ على المجتمع من انتشار الجريمة أو أن تسود صورة ذهنية غير حقيقية تنشر الخوف بين المواطنين.
إن ما تابعته، وبشكل شخصى، عبر السوشيال ميديا على مدار أسبوع، من فيديوهات كارثية تؤكد لى أنه هناك، فى أقصى اليسار، وعند حد الزاوية، يتقوقع أحدهم ليرصد فى هدوء ويتعلم فى صمت.. يسأل خالقه فى خشوع لم يُخلق من أجله، من منا الشيطان إذن؟ إذا كانت تهمتى العصيان.. فها هم بنو البشر تهمتهم العدوان، فهل آن لنا أن نتبادل المقاعد؟