محمد صلاح سفير القوة الناعمة العربية
من لاعب مغمور نشأ في قرية نجريج بمحافظة الغربية، إلى نجم تتغنى به الجماهير من إنجلترا إلى أستراليا، لم تكن رحلة محمد صلاح مجرد صعود رياضي، بل تحولت إلى قصة ملهمة عن كيف يمكن لفردٍ واحد أن يصبح قوة ناعمة هائلة تعبر القارات وتغير الصورة الذهنية عن أمة بأكملها.
حين أعلن نادي ليفربول تجديد عقد محمد صلاح، لم يكن الحدث رياضيًا بحتًا، بل حمل أبعادًا أعمق بكثير. بقاء صلاح في قلعة "أنفيلد" لم يعنِ فقط استمرار تألقه الكروي، بل أكد استمرارية تأثيره الثقافي والشعبي الممتد من ملاعب أوروبا إلى قلوب الملايين في العالم العربي.
كيف يصبح لاعب كرة قوة ناعمة؟ القوة الناعمة، كما وصفها جوزيف ناي، هي القدرة على الإقناع والجذب دون قسر أو إكراه. ومحمد صلاح لم يحتج إلى خطابات أو منابر سياسية ليمارس هذا التأثير؛ بل اكتفى بأداء مذهل، وسلوك متزن، وصورة إنسانية راقية، ليصبح رمزًا عالميًا، يُحتذى به ويُشاد به في مختلف المحافل. كما أن أخلاقيات محمد صلاح صارت جسرا ذهبيا إلى قلوب العالم .
صيامه في رمضان، احترامه لعائلته، دعمه للفقراء، مشاركته في حملات مجتمعية توعوية، وحرصه على تقديم صورة مشرقة للمسلم، جعلت منه نموذجًا عالميًا للرياضي المحترف والإنسان الرفيع في آن واحد. إنه لاعب لا يسجل الأهداف فقط، بل يزرع القيم أيضًا.
صار محمد صلاح اسما يوحِّد الشعوب العربية من الخليج إلى المحيط ونادراً ما توحد العرب على شخصية كما توحدوا على صلاح. ففي زمن الانقسامات، جمعهم نجم يرتدي قميص ليفربول، ليصبح حديث الأطفال والكبار، رمزًا للأمل، وفخرًا عربيًا يتخطى الحدود. بل تحول ليفربول من نادٍ إنجليزي إلى فريق شعبي عربي .
قبل محمد صلاح، لم يكن لليفربول هذا الحضور الطاغي في العالم العربي. أما بعده، فصار الفريق يحظى بجماهيرية واسعة، تتابع مبارياته بشغف، وتردد هتافاته بحب، وكأن النادي قد تحول إلى فريق وطني بامتياز.
صار لصلاح مكان في قلوب الملايين . أكثر من 50 مليون يتابعه على مواقع التواصل الاجتماعي. أصبح ضمن قائمة مجلة "تايم" لأكثر 100 شخصية تأثيرًا في العالم.
نجاح صلاح ليس وليد المصادفة، بل نتيجة موهبة مصقولة، وتربية راسخة، ودعم ذكي. ولتكرار هذه التجربة، لا بد من رؤية وطنية شاملة، تستثمر في الموهوبين منذ الصغر، وتربط إنجازهم الفردي بقيم وطنية وإنسانية سامية. فقد تحول صلاح من لاعب كرة إلى صانع سياسة ثقافية .
لابد أن تُدرج الدول اللاعبين المتميزين ضمن استراتيجياتها للنفوذ الثقافي، تمامًا كما تفعل مع السفراء والدبلوماسيين. فصلاح أثبت أن اللاعب قد يكون أكثر تأثيرًا من عشرات الخطابات الرسمية، حين يمثل بلده بأدائه وقيمه وأخلاقه. وعلى الإعلام العربي أن يتحول من مجرد ناقل للأخبار إلى صانع للرموز. فالتركيز على الجوانب الإنسانية، والقيمية، والثقافية في حياة النجوم، يصنع منهم قدوة حقيقية، ويعزز من حضورهم كقوة ناعمة تمثل الأمة.
تخطى محمد صلاح حدود الرياضة، ليغدو أيقونة إنسانية وثقافية. هو اللاعب الذي يسجل أهدافًا في الشباك وأخرى في العقول والقلوب. نموذج للعربي الناجح، والمسلم المتوازن، والرياضي النبيل. وفي زمن التحديات، لا نحتاج فقط إلى لاعبين مثل صلاح، بل إلى رؤى تصنع من كل موهبة فرصة لقوة ناعمة تمثلنا خير تمثيل.