جيهان فوزي تكتب: ترامب يغدر بنتنياهو

كتب: أحمد فكري

جيهان فوزي تكتب: ترامب يغدر بنتنياهو

جيهان فوزي تكتب: ترامب يغدر بنتنياهو

كانت الأسابيع الأخيرة شبه خالية من أى خبر يبشر باتفاق ممكن لوقف إطلاق النار فى غزة، لكنها كانت خادعة، فالمفاوضات لم تتوقف يوماً، إنما تغيرت محاورها واتجاهاتها. ولعل العنصر الأهم فى هذا التبدل هو إقصاء إسرائيل عن المفاوضات بشكل كامل وتنشيط التفاوض بين الإدارة الأمريكية وحماس بشكل مباشر أحياناً وغير مباشر أحياناً أخرى.

وقد أشارت التصريحات والتسريبات الأمريكية والإسرائيلية والفلسطينية إلى أن هناك اقتراباً حاسماً نحو اتفاق أمريكى فلسطينى حول صفقة شاملة ترتكز على ثلاثة محاور: وقف إطلاق النار الكامل والنهائى، تبادل الأسرى، والإدارة المدنية المهنية المستقلة لقطاع غزة.

وترافقت هذه التصريحات مع جملة من الملاحظات القاسية للمبعوث الأمريكى للشرق الأوسط ستيف ويتكوف حول سلوك نتنياهو ورفضه إنهاء الحرب وتعطيله المتعمَّد للمحاولات الأمريكية للإفراج عن الأسرى، وفيما يبدو فإن موقف واشنطن المتشدد من نتنياهو قد أجبر الأخير على إبداء قدر من المرونة بشكل علنى، عندما أكد قبل يومين أنه سيوافق على مقترح ويتكوف الأصلى إذا أعيد طرحه حتى وإن تضمَّن عدداً أقل من الأسرى، وهو بهذا التأكيد يحاول رأب الصدع العميق فى العلاقة المتوترة بين إسرائيل والولايات المتحدة، بعد أن بدا واضحاً لنتنياهو أن الولايات المتحدة ستصل إلى اتفاق مع «حماس» وستفرضه على إسرائيل كأمر واقع بغض النظر عن موقف نتنياهو من هذا الاتفاق، وعلى الأرجح فإن إعلان ترامب الاتفاق مع الحوثيين على وقف إطلاق النار دون أن يشمل إسرائيل قد أزعج نتنياهو وأوحى له أن الإدارة الأمريكية جادة ومصممة على إطفاء حرائق الشرق الأوسط، دون أن تأخذ بعين الاعتبار المضامين المتطرفة للسياسة الإسرائيلية فى المنطقة.

وإذا ما كان نتنياهو بحاجة إلى تأكيد إضافى بشأن الموقف الأمريكى، فقد جاءت التصريحات الأمريكية والإيرانية المتفائلة بشأن اتفاق مرتقب بين واشنطن وطهران حول البرنامج النووى الإيرانى، وخاصة ما تعلق بقبول واشنطن الاستمرار فى الأنشطة النووية الإيرانية فى حدود برنامج سلمى، ليعطى الانطباع بأن واشنطن هى صاحب القرار وأن إسرائيل لن تتمكن مستقبلاً من تطويع السياسة الأمريكية فى خدمة مصالحها الضيقة، كما لن تتمكن بمفردها من إعادة صياغة العلاقات والنزاعات المتشابكة فى الشرق الأوسط دون دعم واضح من الولايات المتحدة.

سيعود نتنياهو حتماً إلى التأكيد على تمسكه بأهداف الحرب، وسيحاول تسويق التبدلات الطارئة على المفاوضات وسط ائتلافه اليمينى المتطرف، باعتبار أن القبول بالصيغة الأمريكية سيكون أهون الشرور على إسرائيل، وأن الرفض قد يدفع ترامب إلى إشهار مخالبه بوجه الحكومة الإسرائيلية، ما يعنى أن تفقد إسرائيل كل ما حققته فى الحرب منذ السابع من أكتوبر 2023، وعلى الأرجح فإن قادة اليمين المتشدد سوف يرفضون هذا التهديد الأمريكى وسيعارضون نتنياهو فى مسعاه للوصول إلى تفاهم مع واشنطن يلبى حداً معقولاً من المصالح الإسرائيلية، ما يشير إلى احتمال تفاقم النزاع الداخلى، وربما حتى تفكك الائتلاف الحكومى، وهو ما يمثل عودة إلى الوضع نفسه الذى كان سائداً داخل إسرائيل قبيل الهدنة.

تشير تصريحات قادة «حماس» إلى أن مفاوضيهم أبدوا قدراً عالياً من الإيجابية خلال مفاوضاتهم مع ويتكوف، وما يؤكد هذه الإيجابية أن «حماس» وافقت على إطلاق سراح المحتجز مزدوج الجنسية «عيدان ألكسندر» كبادرة حسن نية تشجع ترامب على متابعة المفاوضات مع «حماس» بشكل حثيث، بهدف الوصول إلى اتفاق دائم، أما ما تعلق بالموقف من الإدارة المستقلة لقطاع غزة، فما زال هذا الملف غامضاً وما زالت تفاصيله مكتومة حتى الآن، ومن المرجَّح أن تدخل فى صيغة الإدارة المهنية المستقلة عناصر جديدة لم تكن مطروحة سابقاً، دون أن يعنى هذا إمكانية استحضار قوى عربية أو أجنبية لإدارة القطاع مع فتح المجال أمام دور أمريكى نشط فى الشأن الإنسانى عبر بناء شبكة من المنظمات الإنسانية العاملة فى قطاع غزة تتولى توزيع المساعدات فيما تتدخل الإدارة الأمريكية بشكل أكثر فاعلية فى فتح المعابر وتحسين آليات الرقابة والتفتيش على المساعدات.

من المفيد الإشارة إلى أن الموقف الصارم للمنظمات الدولية والإنسانية من الخطط الأمريكية التى طُرحت الأسبوع الماضى بشأن المساعدات سوف يلين بالتأكيد إذا ما حصرت الولايات المتحدة دورها خارج حدود القطاع وتركت تلك المنظمات إدارة عمليات الإغاثة دون شروط سياسية مجحفة وغير عقلانية.

أما ما تعلق بتبادل الأسرى، فإن الأعداد والشروط المتقابلة من إسرائيل وحماس، وإن كانت تشكل أحد محاور الخلاف خلال مراحل التفاوض السابقة، لم تكن نقطة خلاف جوهرية تعطل الوصول إلى الاتفاق الدائم، وعلى الأرجح فإن النسب التى كان قد تم الاتفاق عليها بداية هذا العام سوف يعاد التأكيد عليها مجدداً، بمعنى أن «حماس» لن تتراجع عن البند الخاص بتبييض السجون من ذوى المؤبدات والأحكام العالية التى تزيد على 15 عاماً، إضافة إلى آلاف المعتقلين من غزة خلال الحرب، والمحتجزين فى السجون الإسرائيلية دون محاكمات ولا حتى لوائح اتهام ولا كأسرى حرب.

سيكون من المتوقع خلال الأسبوعين المقبلين أن يتبلور التفاهم المبدئى بين واشنطن وحماس، فى مسوَّدة اتفاق يشمل كل محاور الصراع، لتُفتتح بعدها صفحة جديدة من المناورات الإسرائيلية التى ستهدف حتماً إلى تقليص الآثار السلبية للاتفاق وتوسيع مساحة المصالح الإسرائيلية فيه.


مواضيع متعلقة