موازين القوى أخمدت الحرب الهندية الباكستانية فى مهدها قبل أن تتطور الأمور إلى ما لا يُحمد عقباه بين الدولتين الجارتين اللتين تمتلكان قدرات نووية وقوات مسلحة ضخمة.. لم تمر أيام على بداية الحرب التى ألحقت كل دولة فيها خسائر جسيمة بالأخرى، حتى أيقنت كل منهما أنها لن تحقق النصر الكامل وتحرك المجتمع الدولى والقوى العظمى، وفى مقدمتها أمريكا لوأد الحرب فى مهدها وهو ما لم يحدث فى حرب إسرائيل على غزة التى باركها الجميع من أجل عيون إسرائيل!! البداية عندما شنت الهند ضربات عسكرية على أهداف فى باكستان أسفرت عن مقتل 26 وإصابة 46 آخرين، رداً على مذبحة نفذها مسلحون ضد سياح فى كشمير الهندية قبل أسبوعين واتهمت نيودلهى جارتها باكستان بالوقوف وراءها.. لم تقف باكستان مكتوفة الأيدى وردت بضربات مماثلة وأسقطت خمس طائرات تابعة لسلاح الجو الهندى، فى تصعيد دفع البلدان إلى حافة صراع أوسع.
بعد ساعات من اندلاع الحرب، زار رئيس الوزراء الباكستانى، شهباز شريف، أمريكا والتقى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب وأظهرت صورة اللقاء رئيس الوزراء الباكستانى وهو يجلس أمام «ترامب» بقوة وشموخ واضعاً ساقاً فوق ساق، بينما يجلس «ترامب» بشكل عادى، عكس معظم لقاءاته مع رؤساء الدول الذين يلتقيهم فى البيت الأبيض، وخضع هذا الفيديو وهذه الصورة بالتحديد، لتحليل الساسة والخبراء والمعنيين بتحليل لغة الجسد.. وجاءت تصريحات شهباز الشريف القوية لتؤكد أن باكستان تقف على أرض صلبة، حيث لوَّح باستخدام السلاح النووى وقال على الهواء مباشرةً: «جئت لأجل السلام لا للاستسلام، وإذا فرضت علينا الحرب أو على مسلمى كشمير، فنحن لها ولم نصنع القنبلة الذرية لنضعها فى المتحف أو لنتفرج عليها بل لندافع بها عن بلادنا وعن مسلمى كشمير».
ربما كان هذا اللقاء بداية النهاية لحرب كادت تأتى على الأخضر واليابس لتؤكد للقاصى والدانى أن موازين القوى هى التى تتحكم فى كل شىء فى هذا العالم الذى لا يحترم إلا الأقوياء.
بعد وقف الحرب، تنفس الجميع الصعداء وسادت العالم حالة من الارتياح بعد التوصل إلى اتفاق شامل ودائم لوقف إطلاق النار بعد أربعة أيام فقط من اشتباكات عنيفة كادت تجر المنطقة إلى حرب شاملة وربما نووية، فى أخطر تصعيد منذ عقود، حيث تم استهداف مناطق داخل البنجاب الهندية والباكستانية لأول مرة منذ عام 1971.
وقف الحرب جاء بعد جهود دبلوماسية مكثفة شاركت فيها العديد من الدول، من بينها أمريكا وبريطانيا والصين ومصر والسعودية وإيران ورحَّب الطرفان بالاتفاق مؤكدين عدم رغبتهما فى التصعيد وتشكيل لجنة دولية محايدة للتحقيق فى الأحداث فى محاولة لاحتواء التوتر والتمهيد لمرحلة جديدة من المحادثات حول قضايا خلافية، أبرزها النزاع على كشمير، والإرهاب العابر للحدود، وتقاسم مياه نهر السند، وتُعد هذه الخطوة بمثابة إنجاز دبلوماسى كبير، وتأكيد أن الحلول السياسية لا تزال ممكنة حتى فى أحلك اللحظات.
وقد رحَّبت مصر بإعلان وقف إطلاق النار بين الجارتَيْن النوويتَيْن الهند وباكستان ووصفت وزارة الخارجية المصرية، فى بيان رسمى وقف إطلاق النار بأنه خطوة مهمة نحو تحقيق التهدئة ودعم الأمن والاستقرار فى جنوب آسيا وعبرت عن تطلعها فى أن تشهد الفترة المقبلة التزام الطرفَيْن بالاتفاق وبناء الثقة بين الهند وباكستان، مشددة على أن الحوار والمفاوضات هو السبيل الوحيد لتسوية المنازعات.
بقى أن نشير إلى أنه وفقاً لتصنيف مؤشر جلوبال فاير باور تحتلّ الهند المرتبة الرابعة عالمياً، فى حين تأتى باكستان فى المرتبة الثانية عشرة من أصل 145 دولة شملها التقييم السنوى للمؤشر وفى تصنيف آخر صادر عن مجلة «Military Watch Magazine»، تُدرج الهند ضمن القوى العسكرية من المستوى الثانى فيما تُصنَّف باكستان ضمن المستوى الثالث من حيث القوة العسكرية.
كل المؤشرات تؤكد أيضاً قرب إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية بعد نجاح المفاوضات الأخيرة ونتمنى نجاح جهود إخماد حرب غزة التى أكدت للقاصى والدانى انحياز أمريكا السافر لإسرائيل ورغبتهما فى تصفية الشعب الفلسطينى وتهجيره من بلاده فى مخطط أحبطته مصر بقوة الرئيس عبدالفتاح السيسى.
أخيراً، أستطيع أن أؤكد أن موازين القوى هى التى تتحكم فى العالم وأن المصالح تتشابك وتتقاطع والجغرافيا مثل التاريخ تنحاز للأقوياء، والأقوياء يتقاتلون ويسعى كل منهم لتكوين فريق يقترب به من الفوز على المنافسين ويقف الضعفاء حيارى إلى أى فريق ينضمون!!