الخليج ساحة منافسة بين أمريكا وخصومها
وعد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب السعودية بأن تكون الدولة الأولى التى يزورها بعد توليه منصب الرئيس إذا ما استثمرت 400 مليار دولار. ومن خلال حوار متبادل بين الرئيس الأمريكى والأمير محمد بن سلمان، ولى عهد السعودية، زاد الرقم إلى تريليون دولار تستثمرها السعودية فى أمريكا. لا يعلم البعض أن هذه الاستثمارات ليست دفعة واحدة وإنما على سنوات، كما أن السعودية لا تلقى بأموالها فى السوق الأمريكية وإنما لديها مشروعاتها وخططها التى تتيح لها تحقيق المكاسب المالية من وراء هذه الاستثمارات. وكذلك يجرى الأمر مع الإمارات وقطر وغيرهما من دول الخليج التى صار لديها خطط اقتصادية متطورة تتعامل بها مع دول العالم لتحويل اقتصادها البترولى إلى اقتصاد معرفى منتج، صناعى وإلكترونى. وبالفعل قام الرئيس ترامب بزيارته الأولى إلى دول الخليج والتى سبقتها زيارته للفاتيكان بسبب وفاة البابا.
لم تكن العلاقات بين الولايات المتحدة ودول الخليج العربى علاقات ندية أو تبادلية، بل وُلدت منذ منتصف القرن العشرين تحت مظلة الحماية الأمريكية مقابل البترول. ومع اكتشاف الذهب الأسود فى شبه الجزيرة العربية، كانت الشركات الأمريكية أول الواصلين، فقد جاءت ومعها ضمانات أمنية.
منذ الحرب العالمية الثانية، أدركت أمريكا أن سيطرتها على منابع الطاقة العالمية، خصوصاً فى الخليج، تعنى نفوذاً غير محدود، لذلك كانت واشنطن حريصة على بقائها «القوة الحامية». وزيارة الرئيس الأمريكى الحالى دونالد ترامب للخليج فى مايو 2025، لا يمكن أن تُقرأ من زاوية الاستثمارات فقط، رغم التريليونات التى تتدفق باتجاه أمريكا. بل يجب فهمها كرسالة متعددة الجوانب: منها الجانب الأمنى ومفاده أن واشنطن لن تسمح بأى تهديد مباشر للأنظمة الخليجية، ما دامت المصالح الاقتصادية مستمرة. والجانب الجيوسياسى، الذى يؤكد أن أمريكا لن تسلم القيادة فى الخليج لا للصين ولا لروسيا، والجانب الاستراتيجى، حيث تسعى واشنطن إلى تجديد عقد الحماية، ولكن بثمن أعلى هذه المرة.
إن «ترامب» هو «المفضل» خليجياً، ليس لأنه أكثر وفاءً، بل لأنه أكثر وضوحاً ومباشرة. فى فترة رئاسته الأولى، لم يُخفِ ترامب رغبته فى المال الخليجى مقابل الحماية. اليوم يعود بالأسلوب نفسه، لكن مع معطيات جديدة: الشرق الأوسط يحترق، وإسرائيل تنهار معنوياً أمام حرب غزة، والنفوذ الإيرانى والتركى يتمدد، والغرب يعانى من شروخ داخلية.
الصين تراقب بقلق، فهى التى تسللت إلى الخليج من بوابات التجارة والتكنولوجيا والطاقة النظيفة. لكنها لم تبنِ ذلك التحالف الأمنى الذى يميز أمريكا. أما روسيا، فهى حاضرة فى ملفات سوريا وإيران، لكنها عاجزة اقتصادياً عن منافسة أمريكا فى العقود أو النفوذ المالى.
فى الحقيقة، دول الخليج ليست بلا أوراق ضغط، فهى لم تعد مجرد مصدر نفط خام، بل تمتلك صناديق سيادية تُدير العالم المالى، وتتحكم بأسواق الطاقة، وتسهم فى ترسيم خرائط المستقبل التكنولوجى. لكنها رغم ذلك، تحتاج للمظلة الأمريكية -لا حباً- بل لدرء المجهول الإيرانى والاضطراب الداخلى.
الخليج اليوم ليس كما كان قبل عقدين، بل أصبح «مسرحاً» تتقاطع فيه خطوط الصين، أمريكا، روسيا، وتركيا، إضافة إلى إيران وإسرائيل. مَن يسيطر على الخليج، يسيطر على أهم الممرات البحرية (هرمز، باب المندب)، وعلى سوق الطاقة العالمية، وعلى قلب العالم الإسلامى، لهذا لا يمكن فصل زيارة «ترامب» عن هذا الصراع على الجغرافيا والنفوذ.
تبحث دول الخليج فى إقامة توازنات جديدة: تقوية العلاقات مع الصين وروسيا، دعم الصناعات الدفاعية الوطنية، بناء تحالفات إقليمية (مثل مجلس التعاون المعاد صياغته)، لكن حتى الآن، لم تنجح أى دولة خليجية فى التحرر الكامل من قبضة واشنطن. وربما لن يحدث ذلك قريباً، ما دامت واشنطن قادرة على ابتكار أزمات تُعيد فيها تثبيت وجودها.
زيارة «ترامب» لدول الخليج ليست فقط من أجل المال الخليجى، كما يردد خصومه، وليست مجرد عرض استثمار أو تجديد علاقات. إنها محاولة لترسيخ تحالف استراتيجى طويل الأمد، يعيد تعريف العلاقة على أسس جديدة، يُصبح فيها الخليج شريكاً مموِّلاً للمشروع الأمريكى فى مواجهة تحولات عالمية عاصفة. إنها ليست زيارة، بل اندماج استراتيجى جديد.