«ترامب» بعد 100 يوم في «البيت الأبيض».. أدنى شعبية لرئيس أمريكي منذ 70 عاما
«ترامب» بعد 100 يوم في «البيت الأبيض».. أدنى شعبية لرئيس أمريكي منذ 70 عاما
فى يناير 2025، استهل الرئيس الأمريكى الـ47، دونالد ترامب، ولايته الثانية بمداعبة مشاعر الناخبين عبر إطلاق مجموعة من الوعود، لعل أبرزها عودة «العصر الذهبى» للولايات المتحدة من جديد، كما أعلن عن بداية مرحلة «غير مسبوقة» من الازدهار الاقتصادى، وأصدر مجموعة من الأوامر التنفيذية، التى قال إنها تأتى ضمن خطة إصلاحات إدارية وسياسية، غير أن حصيلة أول 100 يوم من الولاية الثانية للرئيس الجمهورى، ترسم صورة مختلفة تماماً عن كل هذه الوعود، مما يُثير الشكوك فى قدرة الرئيس الجمهورى على تحويل «وعوده الفضفاضة» إلى «واقع ملموس».
ووفقاً لتقرير نشرته مجلة «ذا ويك»، هذا الأسبوع، فقد تراجعت شعبية «ترامب» إلى مستويات غير مسبوقة، حيث أظهر استطلاع أجرته شبكة «CNN» أنه حصل على «أقل معدل قبول» لرئيس أمريكى فى أول 100 يوم من ولايته، لأول مرة منذ سبعة عقود، بواقع 41%، فيما أظهر استطلاع آخر أجرته صحيفة «واشنطن بوست»، بالاشتراك مع شبكة «ABC News»، انخفاض نسبة شعبية الرئيس الأمريكى إلى أقل من 39%، خلال الـ100 يوم الأولى له فى البيت الأبيض، وتعكس هذه الأرقام تراجع الدعم الجماهيرى للرئيس «ترامب»، حتى بين أنصاره السابقين من المستقلين، وغيرهم من الناخبين من أصول لاتينية، الذين حسمت أصواتهم الفوز لصالحه فى انتخابات 2017، فى حين أنه ما زال يحظى بدعم ما يُعرف بـ«القاعدة الصلبة للجمهوريين»، وهو ما وصفته المجلة الأمريكية بأنه يُشبه حالة «الولاء» للزعيم الكورى الشمالى.
ورغم أن الاقتصاد الأمريكى طالما اعتُبر الساحة التى يبرع فيها «ترامب»، فإن التقييمات تشير إلى أن هذه «الميزة النسبية» لم تصمد طويلاً أمام السياسات المتّخذة منذ بداية العام، فقد دفعت حزمة القرارات المفاجئة بفرض رسوم جمركية واسعة النطاق، إلى اشتعال «حرب تجارية شاملة»، لم تقتصر تداعياتها على العلاقات مع «الخصوم»، بل طالت «الشركاء التقليديين» للولايات المتحدة، مما أثار انتقادات حادة لدى الأوساط الاقتصادية. واعتبرت صحيفة «وول ستريت جورنال» تلك السياسات، التى اتبعها «ترامب»، خلال الـ100 يوم الأولى له فى البيت الأبيض، معاكسة تماماً لوعود خفض التضخّم، وزيادة الدخل الحقيقى للمواطن الأمريكى.
وعرضت «ذا ويك» آراء عدد من المحللين والخبراء الاقتصاديين بشأن حصيلة الـ100 يوم الأولى للرئيس ترامب، حيث كتب «إد كيلجور» فى مجلة «نيويورك»، أن الوضع لم يكن محتوماً، فترامب دخل ولايته الثانية بشعبية تجاوزت 50%، وكان يمكنه السير بحذر لكسب الدعم، وتعزيز الاستقرار بعد سنوات من جائحة «كوفيد-19»، لكنه اختار مسار المواجهة، بإصدار سيل من الأوامر التنفيذية، وتعيين شخصيات مُتشدّدة، والدفع بخطاب تصعيدى تجاه إيران وأعداء آخرين، ومن أبرز الإخفاقات السياسية فى هذه الفترة، وفقاً لـ«ريتش لورى»، فى صحيفة «ناشيونال ريفيو»، فرض رسوم جمركية مفاجئة على الواردات، مما أطلق شرارة «حرب تجارية شاملة» أضرت بالعلاقات الدولية، وأثقلت كاهل المستهلك الأمريكى.
فى المقابل، أشار «نايل فيرجسون»، فى صحيفة «ذا فرى برس»، إلى أن «ترامب» لم يَعد بما لم ينفذه، هو التزم بما أعلنه من تقليص البيروقراطية، إلى تقليص تمويل الجامعات الليبرالية، وأصدر خلال 100 يوم ما يقرب من 200 أمر رئاسى ومذكرة تنفيذية، أما «جوناثان شايت» فكتب فى صحيفة «ذا أتلانتيك»، أن ولاية ترامب الثانية كانت «حاسمة ولكنها فاشلة تاريخياً»، مشيراً إلى أنها «مليئة بالصدمات وقليلة الإنجاز»، إذ قرّر خوض معارك ثقافية، بدلاً من معالجة القضايا الكبرى، واعتبرت صحيفة «ذى إيكونوميست» أن استمرار ترامب فى هذا النهج، سيجعل ولايته الثانية نسخة مكرّرة من الأولى «فوضى وانقسام وعرض جديد بعنوان ترامب شو».
وأشارت «ذا ويك»، فى تقريرها، إلى أنه رغم حفاظ بعض المؤشرات الاقتصادية على وضع «مقبول»، مثل انخفاض معدل البطالة، وتراجع التضخّم إلى حدود 2.5%، فإن الخبراء يحذّرون من أن هذه المؤشرات قد تكون مضللة على المدى القصير، خاصة فى ظل حالة الغموض التى تخيّم على سياسات التجارة والرسوم الجمركية، والتى تؤدى إلى فقدان المستهلكين الثقة فى الأسواق، وأشارت «ذا ويك»، فى تقريرها، إلى أن جامعة «ميتشيجان» رصدت انخفاض مؤشر ثقة المستهلك إلى أحد أدنى مستوياته منذ عام 1952، بينما أظهر استطلاع لشبكة «CNN» أن 70% من الأمريكيين يتوقعون دخول الاقتصاد فى حالة «ركود»، خلال العام المقبل.
وعلى مدار الـ100 يوم الأولى للرئيس الأمريكى، أصدر ترامب ما يقرب من 200 أمر رئاسى، وهو رقم يفوق ما أقره الرئيس الـ32 للولايات المتحدة، الديمقراطى فرانكلين روزفلت، خلال بداياته الأولى، كما عمل «ترامب» على تقليص تمويل الجامعات الليبرالية، وخفض نفقات الوكالات الفيدرالية، وتعيين صديقه الشخصى، الملياردير إيلون ماسك، وزيراً للكفاءة الحكومية، الأمر الذى أثار انتقادات حادة للفريق الرئاسى، كما عمد «ترامب» إلى تشديد خطابه تجاه خصومه فى الداخل والخارج، بالإضافة إلى الدخول فى نزاعات قانونية مع قضاة المحكمة الفيدرالية، اتسمت بطابع انتقامى، إلا أن كل هذه الأوامر التنفيذية لم تتم ترجمتها إلى إنجازات ملموسة على أرض الواقع، بل أدت إلى زيادة حدة الاستقطاب، وتسبّبت فى موجة اضطرابات غير مسبوقة خيمت على بيئة الأعمال، مما دفع البعض إلى وصف الولاية الثانية لترامب بأنها «فوضى مكرّرة» للولاية الأولى، ولكن على حجم أكبر.
وأشارت الصحيفة إلى أنه على الجانب الاجتماعى، اختار «ترامب» خوض معارك ثقافية مثيرة للجدل، مثل حظر مشاركة المتحولين جنسياً فى الرياضة المدرسية، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة لصرف الأنظار عن الإخفاقات فى الملفات الجوهرية، كالتضخم والجريمة والإسكان، وبينما كان العالم يترقّب تنفيذ ما وُصف بـ«نهضة صناعية أمريكية»، تراجعت حركة الشحن من الصين بأكثر من 60%، وشهدت الأسواق عمليات سحب واسعة لرؤوس الأموال، فى مشهد وصفه البعض بأنه «تسونامى اقتصادى».
واختتمت «ذا ويك» تقريرها بالقول إن كان ترامب قد قال فى خطابه فى «يوم التحرير»، مطلع أبريل الماضى: «ستكون هذه دولة مختلفة تماماً خلال فترة قصيرة»، كما أن المؤشرات تؤكد بالفعل أنه صادق فى نبوءته، لكن ليس بالطريقة التى كان يأملها، وإنما من باب أن الولايات المتحدة تبدو اليوم أقرب إلى مفترق طرق اقتصادى وسياسى جديد، تخيم عليه حالة من «اللايقين»، التى أصبحت تتردّد بقوة فى مختلف أروقة الهيئات والوكالات الفيدرالية التابعة للحكومة الأمريكية، أو داخل كبريات الشركات ومؤسسات الأعمال، بل ومراكز الدراسات والأبحاث فى الولايات المتحدة.