دراسة تكشف تورط بريطانيا في جرائم الحرب الإسرائيلية بـ«غزة».. وتثير غضب «الناتو»

كتب: محمود العيسوي

دراسة تكشف تورط بريطانيا في جرائم الحرب الإسرائيلية بـ«غزة».. وتثير غضب «الناتو»

دراسة تكشف تورط بريطانيا في جرائم الحرب الإسرائيلية بـ«غزة».. وتثير غضب «الناتو»

فى الوقت الذى تتزايد فيه الدعوات الدولية إلى ضبط صادرات السلاح إلى جيش الاحتلال الإسرائيلى، والامتثال الصارم للقانون الدولى الإنسانى، لوقف جرائم الإبادة الجماعية الجارية بحق أبناء الشعب الفلسطينى فى قطاع غزة، كشفت دراسة تحليلية جديدة أن المملكة المتحدة واصلت تصدير آلاف المعدات ذات الطابع العسكرى إلى إسرائيل، رغم إعلان حكومى سابق بتجميد عدد من التصاريح الخاصة بتزويد جيش الاحتلال بمعدات وأسلحة هجومية، وذكرت صحيفة «الجارديان» أن المفارقة المؤلمة أن تلك الصادرات جاءت فى ظل مخاوف متزايدة من استخدام هذه المعدات فى خروقات جسيمة، خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية فى غزة.

ونشرت الصحيفة البريطانية، فى تقرير لها، أبرز ما خلصت إليه الدراسة التحليلية، التى أعدتها مجموعة منظمات حقوقية بارزة، منها «حركة الشباب الفلسطينى»، ومنظمة «التقدميون الدوليون»، و«عمال من أجل فلسطين حرة»، حيث اعتمدت الدراسة على بيانات واردات رسمية صادرة عن هيئة الضرائب الإسرائيلية، تُظهر أن صادرات بريطانية عديدة، شملت ذخائر ومعدات ذات طابع قتالى، استمرت فى التدفق إلى إسرائيل، رغم قرار الحكومة البريطانية فى سبتمبر 2023، بتعليق العمل بالتصاريح السابقة لتزويد جيش الاحتلال بأسلحة هجومية، وتبيَّن أن أكثر من 200 ترخيص لتصدير السلاح ظل سارياً خلال فترة الحظر المعلن، دون أن يتم تعليق العمل بها، مما سمح بتدفق الكثير من المعدات والمواد التى يُعتقد أنها استُخدمت فى سياق جرائم الحرب الإسرائيلية المستمرة فى قطاع غزة.

واعتبر تقرير «الجارديان» أن أخطر النتائج التى كشفت عنها الدراسة تتعلق باستمرار الشحنات البريطانية من مكونات الطائرات القتالية من طراز «إف - 35» إلى إسرائيل، على نحو يتعارض مع تعهدات سابقة للحكومة البريطانية بعدم بيع هذه القطع إلا إلى شركة «لوكهيد مارتن» الأمريكية، المنتجة للطائرة، كما لفتت الصحيفة إلى أن هذه الخطوة من جانب بريطانيا أثارت موجة غضب بين أعضاء فى حلف شمال الأطلسى «الناتو»، حيث تُعد الطائرة «إف -35» ركيزة أساسية لاستراتيجية الحلف، بالإضافة إلى الأمن القومى لبريطانيا نفسها، وهو ما أثار تساؤلات بشأن مدى التزام لندن بسياسة «ضبط الاستخدام النهائى للمعدات الدفاعية»، خاصةً فى ظل عدم وجود آلية تحقق مستقلة، تضمن عدم استخدام هذه المكونات من قبَل الجيش الإسرائيلى فى الحرب المستمرة ضد الفلسطينيين فى غزة منذ السابع من أكتوبر 2023، وفى قصف مواقع داخل كل من لبنان وسوريا واليمن وإيران.

لم تتأخر ردود الفعل السياسية على ما جاء فى الدراسة، إذ دعا النائب العمالى المخضرم، جون ماكدونيل، إلى فتح تحقيق رسمى فى مدى دقة تصريحات وزير الخارجية البريطانى، ديفيد لامى، محذراً من أن أى تضليل للبرلمان بخصوص طبيعة صادرات الأسلحة إلى إسرائيل يمثل انتهاكاً للمدونة الوزارية، ويستوجب المساءلة، وبحسب الصحيفة كان «لامى» قد أكد، فى تصريحات له خلال شهر سبتمبر الماضى، أن ما تصدّره بريطانيا إلى إسرائيل «ذو طبيعة دفاعية محضة»، مثل «الخوذ، والنظارات الواقية»، غير أن البيانات التى كشفت عنها الدراسة تشير إلى تصدير مواد ذات استخدام عسكرى مباشر، وعلى رأسها الذخائر، إلى جيش الاحتلال الإسرائيلى.

ورغم قرار الحكومة البريطانية، فى سبتمبر 2023، أى قبل شهر من عملية «طوفان الأقصى»، بتعليق العمل ببعض تراخيص تصدير مواد عسكرية إلى إسرائيل، فى أعقاب تحذيرات داخلية بشأن «مخاطر واضحة» من استخدام الأسلحة البريطانية فى انتهاك القانون الدولى، إلا أن مسئولين فى حكومة رئيس الوزراء السابق، ريشى سوناك، فى ذلك الوقت، تمسكوا بأن التراخيص المتبقية، التى لا يشملها قرار التعليق، لا تشمل «صادرات يمكن استخدامها فى القتال»، غير أن نتائج الدراسة كشفت عن «حملة تضليل» للترويج لتلك المزاعم، كما أظهرت مدى «هشاشة» الخط الفاصل، الذى حاولت الحكومة رسمه بين ما هو «دفاعى»، وما قد يتحول فعلياً إلى أداة هجومية فى ساحة المعركة.

وأوردت «الجارديان» مقتطفات من البيان الرسمى الصادر عن وزارة الخارجية البريطانية بهذا الشأن، والذى جاء فيه أن «الغالبية العظمى من التراخيص المتبقية لا تذهب إلى الجيش الإسرائيلى، بل تُستخدم لأغراض مدنية أو لإعادة التصدير»، وأضافت أن الاستثناء الوحيد يخص برنامج طائرات إف - 35، نظراً لأهميتها الاستراتيجية لحلف شمال الأطلسى، إلا أن عدداً من المحللين الذين تحدثت معهم الصحيفة أكدوا أن هذا التبرير، من قبَل وزارة الخارجية «لم يعد كافياً لتبرئة الحكومة من تساؤلات ملحة حول شفافية سياسات التصدير، خصوصاً فى ظل استمرار العمليات العسكرية فى غزة، وازدياد التقارير الحقوقية حول انتهاكات جسيمة بحق المدنيين».

وأشارت الصحيفة إلى أن التقرير، الذى يأتى فى توقيت بالغ الحساسية للحكومة البريطانية الجديدة، يضع حزب العمال أمام تحديات كبيرة فى ترجمة تعهداته السياسية إلى واقع ملموس، لا سيما أن الحزب وعد بسياسة خارجية أكثر احتراماً لحقوق الإنسان والمعايير القانونية الدولية، ويتوقع مراقبون أن يشهد البرلمان البريطانى، خلال الأيام المقبلة، نقاشاً حاداً حول هذه القضية، وسط دعوات متزايدة لتشكيل لجنة مستقلة للتحقيق فى ملابسات استمرار تصدير الأسلحة والمعدات القتالية إلى إسرائيل، والتثبت من مدى التزام الحكومة بالإطارين القانونى والأخلاقى لعمليات تصدير الأسلحة.

واختتمت «الجارديان» تقريرها بالقول إنه مع تزايد الغضب الشعبى، داخلياً وخارجياً، تجاه ما تعتبره منظمات حقوق الإنسان «تواطؤاً غير مباشر»، تبدو الحكومة البريطانية مطالبة بموقف أكثر وضوحاً وصلابة، لا يكتفى بالتبريرات الفنية، بل يعكس احتراماً حقيقياً لمبادئ العدالة الدولية والمحاسبة، وشددت على أنه «لا يكفى الحديث عن السلام ما دامت الأدوات التى تُستخدم فى تقويضه تخرج من موانئ بريطانيا وتمر عبر قوانينها».


مواضيع متعلقة