د. خديجة حمودة تكتب: بيت العز
وتمر العقود علينا وسنواتها وأيامها ومعها تمر ذكريات لا تنسى وصور لا تُمحى، وكأنها حفرت فوق لوحات من صخر لا يمكن العبث بما دون فوقها من كلمات ومشاهد وعطور وصور فوتوغرافية، حتى نتصور أحيانا أنّ أصحاب هذه الصور والوجوه المبتسمة المتفائلة والتجاعيد تتراقص على ملامحهم سيتحركون ويغادرون إلى وسط المنزل الذي نعيش فيه ليلعبوا أدوارهم الرئيسية في حياتنا التي سبق وقاموا بها من جديد.
تمر الأيام فنعود في الأحلام إلى بيت العز وما أدراكم ما هو؟ نعود إليه كلما عشنا تجربة قاسية أو فقدنا صديقا أو عزيزا أو عبثت بنا الأقدار ولم تمنحنا ما كنا نتمنى وننتظر ونتوق إليه، ولا تتوقف زيارتنا إليه في أحلامنا وسكانه الأعزاء في أحزاننا فقط، بل نذهب إليه كلما حققنا انتصارا في الحياة أو أنجزنا مهمة يتحدث عنها الجميع، ونعود أيضا في أفراح الأبناء والأحفاد لنخبرهم بما يسعدنا كما كنا نفعل في طفولتنا وشبابنا.
وإذا كانت هذه الكلمات تعبر عن مشاعر جيل بالكامل فماذا حدث الآن؟ ومن الذي أدخل في عقول وقلوب شبابنا أنّ بيت العز نقمة وليس نعمة وأنّه لا بد من الخصوصية في الحياة والاستقلال والبعد عن العائلة الكبيرة، ويكفي تلك الدعوات الثقيلة العنيفة على مواقع السوشيال ميديا التي تقول للشابات إياكِ والارتباط بزوج يعيش في بيت كبير، في بيت العائلة.
وقديما كانت العائلات العريقة تتنافس في أعداد المباني الضخمة وإطلاق أسماء على المنازل والتي كانت غالبا تحمل اسم الجد الكبير، فهذا بيت عائلة أباظة، والآخر عائلة سراج الدين، وإلى جواره آل خليل، وبعده آل عمارة، وآل النواوي، وآل الشامي، و.. و.. و.. ومن قرأ وشاهد وتابع الأعمال الأدبية لكبار الكتاب القدماء الخالدين أمثال نجيب محفوظ وعكاشة والسباعي سيرى ويعرف ما هي العائلات المصرية العريقة ذات الحسب والنسب وكيف كانت الحياة في بيوتها العامرة.
نحن الآن أمام ظاهرة اجتماعية خطيرة فهي تحمل بين طياتها دعوات صريحة لتفتيت العلاقات الإنسانية وتدمير عادات وتقاليد عاش بها المصريون ونجح أبناؤهم وتفوقوا وأبهروا العالم بذكائهم وعلمهم وكانوا برغم الإغراءات المادية والمعنوية في دول العالم يعودون في أعيادنا الدينية وفي المناسبات العائلية ليجتمعوا في بيت العز.
وفي ملاحظة بسيطة إذا أردت أن تعرف إلى أي مدى وصلت تلك الظاهرة الإنسانية خاصة في المدن الصغيرة عليك أن تطلع على حركة قطارات السكة الحديد في الأعياد وقبلها بأيام لتعرف ما هو هذا المعنى الذي يريدون القضاء عليه بسذاجة وفجاجة. ألم يسمع هذا الجيل الإلكتروني تلك الإبداعات الفنية بأصوات عمالقة الغناء المصرى، فأجمل ما غنّت المطربة المصرية أحلام وكتب الكلمات الشاعر مرسى جميل عزيز ولحنها محمد الموجي (يا بيت أبويا معزتك في عنيّا)، وأغنية الفنانة فايزة أحمد لنفس الشاعر ونفس الملحن (بيت العز يا بيتنا).
لقد تميز المجتمع المصري على مر العصور الطويلة بسمات كانت أقرب إلى الثبات ولذلك يعتبرها علماء الاجتماع السمات الأصيلة، فالمصري يتسم بكونه ذكيا ومتسامحا وكانت تلك الملامح تشكل الخريطة الأساسية للشخصية المصرية في وعي المصريين ووعي غيرهم. ويعود هذا الثبات النسبي لهذه السمات إلى ارتياحها بعوامل جغرافية ومناخية مستقرة نسبيا، إلا أنّ تحولات نوعية حدثت في بعض السمات، فقد ظهرت بعض الميول العنيفة أو العدوانية (الظاهرة أو الخفية) وتأثر الجانب الفني في الشخصية تحت ضغط العشوائيات كما زادت حدة السخرية وأصبحت لاذعة وقاسية.
أما عشق المصري للاستقرار فقد اهتزّ إلى حد ما بعد تصاعد ظاهرة الهجرة إلى الخارج التي ترجع إلى عوامل التغير التي مر بها المجتمع والتي لم تكن مستقلة عن بعضها البعض وإنما متداخلة ومتفاعلة، وتتضمن العوامل الاقتصادية والمجتمعية والثقافية.
ورغم كل الأطروحات التي تؤكد وجود سمات ثابتة للشخصية المصرية إلا أن ثمة تغيرات انعكست على الجانب القيمي في المجتمع بعد 25 يناير 2011، حيث إنّ الأحداث التي شهدتها مصر فرضت تغيرات كبيرة في منظومة القيم الاجتماعية الأخلاقية الإيجابية التي ضاعت من سلوك المصريين وأفسحت المجال لبعض القيم السلبية مثل التراجع النسبي لقيم التسامح والإيثار وتغليب المصلحة الفردية والتمركز حول الذات وغياب العمل الجماعي والأكثر إيلاما هجر بيت العز.