شراكة الشعب والقيادة في مواجهة العاصفة (3)

لا يمكن تحليل قدرة مصر على الصمود في وجه العواصف الخارجية التي تلف العالم، دون الاعتراف بالتحديات الداخلية التي يجب مواجهتها أيضاً.
وتتصدّر الأزمة الاقتصادية الطاحنة قائمة هذه التحديات.
كان الاقتصاد المصرى فى طريقه للانتعاش، وزادت درجات التفاؤل بمستقبل أفضل، لولا أن باغتتنا -والعالم- جائحة كورونا، وقبل أن نتعافى من تداعياتها، اندلعت الحرب الروسية - الأوكرانية، وما أنتجته من ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وضغوط على سعر صرف الجنيه، وارتفعت معدلات التضخّم، وزاد الدين العام، وكلها شكّلت ضغوطاً هائلة على الاقتصاد.
وفى هذا السياق، لا يمكن إغفال أهمية ما تسعى إليه مصر عبر رؤية 2030، من خلال برنامج طموح للإصلاح الاقتصادى، يستهدف معالجة الاختلالات الهيكلية، وتطوير قدراتها الإنتاجية، سواء على مستوى الإنتاج الزراعى، أو الصناعى، وجذب الاستثمارات النوعية، خاصة فى قطاعى التكنولوجيا والطاقة المتجدّدة، وتحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز دور القطاع الخاص، مع السعى لتوفير شبكات حماية اجتماعية للتخفيف من آثار الأزمة التى انعكست على مستويات معيشة المواطنين.
واللافت هنا هو تفهم الشعب المصرى لطبيعة المرحلة، وإدراكه أن كل تلك الأزمات الدولية التى تصاحبها، تنعكس سلباً على الاقتصادات الناشئة، ومن بينها الاقتصاد المصرى.
وكانت المفاجأة التى أذهلت الأصدقاء، وحيّرت المتربّصين ببلادنا، أن المصريين تقبّلوا إجراءات الإصلاح الصعبة، رغم الضغوط المعيشية شديدة الوطأة.
هنا أظهر الشعب المصرى وعياً -بأكثر من التوقعات- بأهمية الحفاظ على استقرار البلاد، وحماية الأمن القومى، وأثبت قدرته الفائقة على الصمود والتكاتف فى أوقات الشدائد، ودعمه الثابت لقيادته السياسية، ومؤسسات دولته الوطنية، فى مواجهة الأخطار التى تُهدّد أمن البلاد واستقرارها.
التف الشعب حول الهدف الأكبر، وهو حماية الأمن القومى المصرى، والحفاظ على وحدة وسلامة أراضى الدولة، وهذا التماسك المجتمعى، والروح الوطنية العالية، والاستعداد الفطرى للتضحية من أجل الوطن، مثل أحد أهم العناصر الحاسمة ليس فقط فى تجاوز الصعوبات الاقتصادية، بل وفى الحفاظ على الاستقرار وصون الهوية الوطنية فى مواجهة محاولات الاستقطاب والتدخّل الخارجى.
مصر بتاريخها الممتد عبر آلاف السنين، وعمقها الحضارى، وموقعها الجغرافى فى قلب العالم، وبوعى شعبها الذى استعصى على كل محاولات الكسر أو الاحتواء، وحكمة قيادتها، تمتلك من المقومات ما يُؤهلها لتجاوز التحديات الراهنة، مهما بلغت جسامتها.
ورغم صعوبة المرحلة ودقة الظروف، فإن النظرة إلى المستقبل، تحمل الكثير من التفاؤل بقدرة مصر على مواصلة دورها كقوة استقرار وسلام وتنمية فى محيطها الإقليمى والعالمى، وأن تظل دائماً -كما كانت- منارة للحضارة وحصناً للأمن فى هذه المنطقة الحيوية من العالم.
ما حققته مصر من نجاحات من خلال سياساتها الخارجية، رغم كل التشابكات المعقّدة فى هذا العالم، لم يكن ليثمر، لولا صمود شعبها، ودعمه لقيادته، الذى يترجم إيماناً بأن التحديات الكبرى تتطلب صبراً وتضامناً، وهذا من أهم الركائز الأساسية، التى تؤكد قدرتها على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، والوصول إلى شاطئ الأمان.