رفعت رشاد يكتب: قصور.. في الثقافة !

هانى رسلان

هانى رسلان

كاتب صحفي

عنوان المقال ورد على لسان مها عبدالناصر عضو مجلس النواب، التي أوردته على لسان أحمد هنو وزير الثقافة، في طلب الإحاطة المقدم منها إلى رئيس الوزراء ووزير الثقافة، بشأن توجه الوزارة مؤخرا بتنفيذ خطة لإغلاق عدد من قصور وبيوت الثقافة والمكتبات العامة، ليس لي إلا أن أصدق كلام النائبة وما نقلته عن الوزير إلى أن يثبت العكس، فالنائبة تؤكد أنّها تابعت إجراءات وزارة الثقافة في هذا الشأن وهو مؤشر سلبي يخص مؤسسات ثقافية ظلت لعقود من الزمن إحدى أدوات الدولة في نشر التنوير ومحاربة الجهل والتطرف.

انتقدت النائبة توجه الوزارة الذي بررته بحجة ترشيد الإنفاق، وأنّ هذه المؤسسات صارت غير جاذبة للجمهور، وقالت إنّ هذا التوجه صار سياسة عامة قائمة على التخلي التدريجي عن دور الدولة التنويري، وقالت إنّ 70 قصرا وبيت ثقافة ومكتبة أغلقت رغم صرف مليارات الجنيهات سابقا لإنشائها أو تطويرها.

في زمن تتعالى فيه الأصوات بأهمية الثقافة في محاربة الجهل والتطرف، تتجه الوزارة إلى إغلاق عدد كبير من قصور الثقافة المنتشرة في ربوع البلاد، تحت ذرائع مختلفة، ما أثار موجة من القلق والاستياء في الأوساط الثقافية والنيابية، إن قصور الثقافة ليست مجرد مبانٍ حجرية، بل مؤسسات تنويرية كان لها دور جوهري في نشر الفنون والآداب بين أبناء الطبقات الوسطى والفقيرة، وفي تحصين المجتمع ضد الانغلاق والتشدد، ومنذ نشأتها، مثّلت هذه القصور أحد أهم أذرع الدولة في معركتها الممتدة مع الجهل والتهميش.

تعود فكرة إنشاء قصور الثقافة إلى حقبة ثورة 23 يوليو 1952، حينما أدركت الدولة أنّ الثقافة لا ينبغي أن تظل حكرًا على النخبة في العاصمة والمدن الكبرى، فجاءت المبادرة من وزير الثقافة الرائد ثروت عكاشة، الذي أطلق مشروعًا قوميًا طموحًا لإيصال الفنون والثقافة إلى أطراف الدولة، بحيث يصبح لكل محافظة، بل لكل مركز وقرية، منفذٌ ثقافي يعكس هويتها ويغذي ذائقتها ويحتضن مواهبها.

كان ثروت عكاشة، الذي يُعد واحدًا من كبار المهندسين الحضاريين لمشروع مصر الثقافي الحديث، هو الذي وضع حجر الأساس لهذا التصور، مؤمنًا بأنّ الثقافة ليست ترفًا بل ضرورة وطنية، وقد لاقي هذا المشروع دعمًا كبيرًا من الرئيس جمال عبدالناصر والدولة آنذاك، فأنشئت الهيئة العامة لقصور الثقافة (والتي تحولت لاحقًا إلى الهيئة العامة لقصور الثقافة الجماهيرية)، وانتشرت فروعها في كل أنحاء مصر.

تولى سعد كامل، المثقف البارز وصاحب الرؤية الاجتماعية، قيادة مشروع الثقافة الجماهيرية في السبعينيات، فعمل على ترسيخ دور القصور في احتضان الطاقات الإبداعية، وتنظيم الورش الفنية، والمهرجانات، والمسابقات، والمعارض، والمكتبات، والعروض المسرحية والسينمائية، كانت قصور الثقافة أشبه بجامعات شعبية مفتوحة، يتعلم فيها المواطن البسيط قواعد الفنون ويمارسها، ويقرأ، ويكتب، ويغني، ويفكر، ويحاور، في فضاء حر ومفتوح للجميع.

ساعد المشروع في بروز أسماء كبيرة في عالم الأدب والفن خرجوا من رحم تلك القصور، كما لعب دورًا اجتماعيًا في تقليص الفجوة بين المركز والأطراف، وتحقيق ما يمكن تسميته بـ«العدالة الثقافية».

وأكدت النائبة أنّ الإنفاق على الثقافة هو استثمار في أمن الدولة وسلامها الاجتماعي، مطالبة الحكومة بإعادة النظر في أولوياتها، وداعية إلى تخصيص ميزانية كافية لصيانة القصور وتطوير برامجها بدلاً من إغلاقها أو تقليص نشاطها، فهذه القصور ما زالت تمثل الملاذ الأخير لأبناء المناطق المحرومة من الخدمات الثقافية، وهي الفضاء الذي يمكن أن تُزرع فيه بذور الإبداع، والفكر النقدي، والانفتاح، والتسامح.

إن الثقافة الحقيقية خط الدفاع الأول عن هوية الإنسان، وكرامته، وتفكيره، والتخلي عن المؤسسات التي تنشر الثقافة هو تخلي عن القوة الناعمة التي لا تُبنى بالشعارات، بل بالمكتبات، والمسرحيات، والعروض، والموسيقى، والحوار.

آن الأوان لأن ينهض المجتمع المدني، والمثقفون، والإعلام، دفاعًا عن هذه القصور، لا باعتبارها مبانٍ تاريخية أو أثرية فقط، بل لأنها معاقل لمشروع وطني مستمر، بدأه عظماء أمثال ثروت عكاشة وسعد كامل، وينبغي أن يستمر، فالتنوير لا يُدار بالقطعة، والثقافة ليست فائضًا يمكن حذفه حسب رؤية البعض.