الصوت واللحظة الغادرة

مجدى الجلاد

مجدى الجلاد

كاتب صحفي

قد يظل الصوت متربّعاً على عرش الإعجاب الجماهيرى، ما دام قادراً على التدفّق إلى آذان البشر، دون اعتراف بمرور الزمن، كذلك عاش الشيخ محمد رفعت متربّعاً على عرش تلاوة القرآن الكريم عدة عقود متصلة، كلما مر به العمر ازداد صوته حلاوة، وتضاعف عدد محبيه والمغرمين بالاستماع إلى ترتيله العذب لآيات الذكر الحكيم، ظهر إلى جواره الكثير من الأصوات الجديدة والجميلة، لكنها عجزت عن منافسته، فالصوت الجديد هنا لم يستطع أن يُقلّل شعبية الصوت القديم، بل على العكس زاده جماهيرية، وبرهن على تميّزه كصوت خالد، لا يستطيع صوت آخر منافسته، فى حياته أو بعد رحيله عن الحياة.

لم يستطع أى صوت إزاحة الشيخ رفعت عن عرشه، على حلاوة ما ظهر بعده من أصوات، لكن صوت الشيخ هو الذى غدره فى النهاية.

يحكى «كمال النجمى» فى كتابه «الغناء المصرى» عن لحظة الغدر التى عاشها الشيخ «رفعت»، قائلاً: «كان ذلك سنة 1943. رأيت مأساته فى لحظات رهيبة تشبه الحلم المرعب، وقد أحاط به مئات المستمعين فى مسجد فاضل باشا. كنت ألاحظ أن الزّغطة التى أصابت الشيخ رفعت تُقلل -يوماً بعد يوم- من مقدرته على التحكم فى صوته بالصورة المعجزة التى كانت معروفة عنه قبل أن تتسلل إليه تلك الزّغطة اللعينة التى عجز الطب عن علاجها. وفى المرة الأخيرة التى سمعت فيها الشيخ -ولم أسمعه بعدها- كان يتلو السورة فى مسجد فاضل باشا يوم الجمعة كعادته، فقاوم الزغطة، ثم سيطرت على الموقف وملأت صوت الشيخ وحبست صوته تماماً».

توقف الصوت الآسر الذى تسلّل إلى قلب كل من استمع إليه، وهو يتلو القرآن، بغدرة من غدرات الزمن. الزمن الذى لا يؤمَن، ومهما نسى الفرد فلا بد أن يتذكره فى لحظة يصل فيها به إلى لحظة ضعف، نحن نسمّيها لحظة غدر، ولكنها فى النهاية لحظة موضوعية، فالإنسان الذى نهايته الزوال، لا بد أن يتوقّع مجىء هذه اللحظة فى كل وقت، والوصول إليها يبدو طبيعياً للغاية، لأنها تُمثّل نقطة البداية للنهاية الحتمية لكل إنسان فانٍ.

لقد رحل الشيخ رفعت -رحمه الله- لكن إبداعه فى تلاوة كتاب الله ظل باقياً، وكذلك شأن العظماء من البشر، تظل أصواتهم فى الحياة باقية جيلاً بعد جيل، تتردّد على سمع الزمن، وحتى حين يريد البعض إسكاتها، تجدها تتردّد داخل نفوس محبيهم. هذا النوع من البشر يعكس أكثر ما يعكس عظمة الله فى خلقه، وقدرته تعالى التى وهبت الشيخ رفعت هذه الحنجرة الذهبية، ووهبت عظماء آخرين مواهب أخرى متنوعة، قل لى بالله عليك: هل يستطيع الذكاء الاصطناعى الذى يمثل الآن قمة ما توصل إليه البشر من علم وتكنولوجيا أن يقدّم لنا حنجرة تضاهى حنجرة كروان التلاوة الشيخ محمد رفعت؟

وصدق الله العظيم إذ يقول: «هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ».